قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


15 يناير 2007

د. حسن مدن


من الخطأ التعميم والقول إن الحالة الانفعالية، التي تقترب من الغوغاء والفوضى وحتى الجنوح إلى التخريب والعنف، هي حالة خاصة بالشارع العربي، فكثيرا ما نشهد على الشاشة صورا ولقطات لمسيرات واعتصامات وتجمعات في عواصم ومدن غربية تقام فيها المتاريس وتقذف فيها الحجارة على رجال الشرطة ويقوم مشاركون فيها بتخريب منشآت تجارية ومرافق عامة. ويمكن الاستعانة بعلم نفس الجماعات لقياس وفهم الطريقة التي تتصرف بها الجموع في حالات الانفعال الشديد وتحت تأثير مناخ حماسي يعززه شعور المشاركين بأنهم لم يعودوا أفرادا متفرقين، وإنما قوة جماعية متراصة ومتحدة وهم يسيرون أو يهرولون جنبا إلى جنب في الشوارع.

ولا يمنع ذلك من ملاحظة الفروق النفسية والثقافية بين شعب وآخر في الطريقة التي تطبع تصرف الناس في مثل هذه الحالات، وبوسعنا الآن تذكر المسيرات السلمية في فترة المقاومة المدنية في جنوب إفريقيا أيام حكم الابارتهيد، حيث كانت مظاهرات أعضاء ومناصري المؤتمر الوطني الإفريقي تتم على شكل رقص إيقاعي يذكر بالكرنفالات والمهرجانات، دون أن يفقدها ذلك طابعها الكفاحي أو الاحتجاجي، لكن حتى في هذا البلد شهدنا مسيرات غاضبة يرمي فيها المتظاهرون الحجارة، خاصة إذا جوبهت هذه المسيرات بعنف الشرطة، مما يخلق عنفا مضادا.

لذا يبدو مجحفا القول ان بلداننا العربية وحدها هي التي عرفت شوارعها مسيرات ذات طابع عنيف، للدرجة التي حملت الرئيس المصري الراحل أنور السادات أن وصف انتفاضة يناير عام 1977 التي اندلعت احتجاجا على رفع أسعار المواد الغذائية بانتفاضة الحرامية معبرا عن رد فعله على الطابع الشامل والعنيف لتلك الانتفاضة التي شملت المدن المصرية الرئيسية، بل ربما تعين علينا القول إن غياب أشكال التعبير والاحتجاج السلمي المؤمنة في المجتمعات الديمقراطية، والقادرة على احتواء الاحتجاجات أو التنفيس عنها، أو ضمان سريانها عبر قنوات مأمونة، هو الذي يضفي الطابع العنيف، أو حتى المفرط في عنفه، على الشارع الذي ينفجر بعد طول احتقان، فكلما كان هامش الحريات العامة، خاصة حرية التعبير عن الرأي بأشكالها المختلفة واسعا كلما ارتدت الاحتجاجات طابعا سلميا،لأن الجمهور في هذه الحالة غير مضطر للجوء للعنف أو التخريب عندما ينزل إلى الشارع محتجا على أمر من الأمور، أما في حال ساد منطق الاستبداد وتكميم الأفواه وقمع الحريات وخنق أشكال التعبير، وغابت مؤسسات المجتمع المدني الحديثة، كالأحزاب والنقابات والاتحادات الجماهيرية، فعلينا توقع حالة الانفجار الشعبي العنيفة المنفلتة العقال، وهذا أمر ينطبق بمقادير كبيرة على مجتمعاتنا العربية التي لم يجر تدريبها على الممارسة الديمقراطية، بسبب الطابع الشمولي للحكم وللمنظومات السياسية والفكرية السائدة والمهيمنة على أذهان قطاعات مهمة من الجمهور، وهذا يحملنا على القول ان الجنوح للعنف ليس معطى بالفطرة للناس، وإنما هو نتاج ldquo;تربيةrdquo; سياسية قاصرة ومديدة. لكن الحديث عن الشارع العربي ما زال يحتمل كلاما آخر نواصله غدا.