16 يناير 2007

د. حسن مدن


يعكس الشارع العربي، في أجلى صورة، التغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي جرت في المجتمعات العربية خلال العقود القليلة الماضية، وهي تغيرات وتبدلات أشبه ما تكون بالانقلاب على المنجز الفكري والسياسي اليسير الذي تم تحقيقه في مراحل تاريخية سابقة، أمام تراجع الأفكار الكبرى الموحدة، سواء أتت في رداء ليبرالي أو قومي أو إسلامي، لصالح نزعات يغلب عليها الطابع الفئوي الضيق الذي يغلب الهويات الجانبية أو الفرعية على الهوية العامة الموحدة، التي يلتئم حولها الناس جميعاً في مجتمع من المجتمعات، بصرف النظر عن تحدراتهم المذهبية أو الطائفية أو العشائرية أو العائلية، حينما يدرك هؤلاء جميعا أنهم يعيشون في أوطان واحدة عليهم تدبر أمر عيشهم المشترك فيها، وتدبر النهوض بأوضاعها وضمان مستقبل أفضل لأبنائها جميعا.

لذا بات من الصعب اليوم الحديث عن شارع عربي، وإنما عن مجموعة شوارع في المجتمع الواحد، فهناك شارع مسيحي (أو قبطي)، وشارع إسلامي، وهذا الأخير بدوره يمكن أن ينقسم إلى شارع سني وآخر شيعي، فضلا عن ldquo;الشوارعrdquo; الخاصة بالأقليات المختلفة التي تعيش في هذا البلد العربي أو ذاك، ولنا في ما يجري في لبنان نموذج وعظة، لأن الشارع بالذات بات عنوانا للصراع السياسي الحاد هناك، حيث من المستحيل إغفال أن هذا الشارع إنما يفصح عن التجليات الطائفية والفئوية لما يدور في المجتمع، منذ أن نزل مئات الآلاف أول مرة لإسقاط حكومة عمر كرامي، ثم كرت السبحة فتكررت التجمعات والاعتصامات الضخمة في قلب بيروت من أجل تبليغ رسائل متناقضة، حتى وصلنا أخيرا إلى تجمع جديد يطالب بإسقاط الحكومة القائمة. صحيح أن بلوغ الإجماع في مجتمع من

المجتمعات، ينطوي على قدر من الحريات كتلك المتوفرة في لبنان، أمر مستحيل وغير صحي، لكن غير صحي أيضاً أن يصل المجتمع إلى حالة الانقسام العمودي الناشئة حالياً هناك.

لم يعد لبنان حالة فريدة في الانقسام بين المجتمعات العربية، ففي فلسطين حال مشابهة تصرف الأنظار والجهود عن حقيقة أن الوطن الفلسطيني ما زال محتلاً، وأن الدولة الوطنية المنشودة ما زالت بعيدة المنال، وهناك أيضا شارعان وربما أكثر، فبوسع ldquo;حماسrdquo; أن تحشد جمهورها الواسع في الشارع في استعراض للقوة، وبوسع ldquo;فتحrdquo; أن تحشد جمهورها الواسع، هو الآخر، في استعراض للقوة مضاد وهكذا دواليك، ويمكن للأمر أن يتطور إلى اشتباك بالأسلحة النارية يودي بالقتلى ويوقع الجرحى، في مجابهات عبثية لا تتمحور حول أهداف وطنية كبرى، وإنما حول معارك الزعامات على السلطة.

سيقدم العراق الجريح نموذجاً آخر ثالثاً حول هذا الانهيار المريع لفكرة الشارع الموحد، فقد أدى تفكيك الدولة وحل الجيش بعد وقوع البلد تحت الاحتلال إلى ارتداد المجتمع إلى حال المواجهة العشائرية والطائفية، كأن دولة شديدة المركزية والقسوة لم تقم في العراق أصلا، وباتت التحركات والاحتجاجات وحتى المواجهات المسلحة ذات طابع طائفي أو فئوي بغيض، وما طبيعة ردود الفعل على إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين إلا وجه من أوجه هذا الانقسام، ولو وسعنا دائرة البيكار قليلاً لوجدنا في ردود الفعل العربية على هذا الإعدام، مظهراً جديداً من مظاهر تفرع شارعنا العربي وتجزؤه إلى مجموعة شوارع لم يعد يوحد بينها موحد، وهذه حال سيئة، لكن ما تنذر به من عواقب يبدو أسوأ بكثير.