16 يناير 2007


باريس ـ 3 يبلور مبادئه والمحكمة الدولية تحمي أهدافه والقضية الفلسطينية تعود إلى أهلها

فارس خشّان

quot;الشرق الأوسط العربي الجديدquot; ليست معادلة لفظية توسلها رئيس كتلة quot;المستقبلquot; النائب سعد الحريري ليهرب من الاتهامات التي تدرج لبنان ضمن quot;الشرق الاوسط الاميركي الجديدquot;، من جهة أولى، وليجدد رفضه للدعوة الإيرانية السابقة الهادفة الى إنشاء quot;شرق أوسط اسلامي جديدquot;.
المسألة أبعد من توسل معادلة لفظية، بعد ساعتين وربع الساعة من اجتماع بين الحريري والرئيس الفرنسي جاك شيراك. إنها تعبير عن حاجة عربية ملحة، وفي زاوية ما تعبير عن حاجة عالمية بعدما ثبت بالوجه القاطع ان لا استقرار عالمياً من دون توفر دور عربي حاسم.
كيف ذلك؟
لقد شكلت الاضطرابات السياسية الحالية في لبنان التي يفتعلها quot;حزب اللهquot; ويقودها، مختبرا حقيقيا لقدرة المحاور الدولية والاقليمية على افتعال الأزمات في مقابل العجز عن تقديم الحلول، كما ان هذه الاضطرابات أثبتت، بشكل لا يقبل اللبس أن كل مشاكل الشرق الأوسط هي صناعة غير عربية.
ذلك أن ما يعاني منه لبنان هو صناعة ايرانية ـ سورية، والدليل على ذلك ان رئيس مجلس النواب نبيه بري لا ينفك عن دعوة اللاعبين الاقليميين والدوليين الى التوقف عند خاطر دمشق وطهران لحلحلة العقد السياسية اللبنانية.
وهذا ما يصح بالقياس نفسه، مع إضافة العاملين الاميركي والاسرائيلي، على الأزمات المستنسخة التي تعانيها فلسطين والعراق.
بمعنى آخر، فان العامل العربي في أزمات الشرق الاوسط عموما والشرق الأدنى خصوصا هو quot;الضحيةquot; فيما العاملان الاميركي ـ الاسرائيلي من جهة اولى والايراني ـ السوري من جهة أخرى هما ـ بالتناوب ـ quot;الجلادquot;.
والاضطرابات العربية، في ظل هذا الواقع، يبدو أنها في دوامة لا مخرج منها الا باستعادة الدول العربية وفي مقدمها المملكة العربية السعودية ومصر المبادرة، بهدف وضع الشرق الأوسط على سكة الخلاص، وهذا من شأنه ان يؤسس لما يسميه الحريري quot;الشرق الأوسط العربي الجديدquot;.
وإطلاق الحريري لفكرته هذه من منبر الرئاسة الفرنسية الشيراكية ليس تفصيلا مهملاً، لا بل يمكن الاعتقاد أن في هذه الفكرة الكثير من التأمل في المبادئ التي بها صاغ الرئيس جاك شيراك سياسة بلاده الخارجية، فأنقذها من الغرق في مستنقع استراتيجية المحافظين الجدد.
فمن يدقق ملياً بالواقع الفرنسي الحالي، يكتشف ان الفرنسيين الذين دخلوا كليا في خضم التحضير للانتخابات الرئاسية في الربيع المقبل، يختلفون في ما بين بعضهم على كثير من الأمور، كما ان المرشحين للرئاسة ينتقدون شيراك في أمور كثيرة ولكن الجميع، بدءا بجان ماري لوبن مرورا بسيغولين رويال وصولا الى نيكولا ساركوزي، يتفق على الإشادة بمسألة واحدة: سياسة شيراك الخارجية.
وفي هذا السياق، يكتشف متابعو التحضيرات لمؤتمر باريس ـ3 الذي سيُعقد في الخامس والعشرين من الشهر الحالي في العاصمة الفرنسية، أن شيراك quot;المهووسquot; بإنجاحه، وعلى الرغم من تعليقه أهمية كبرى على المشاركة الاوروبية والآسيوية والاميركية، إلا أنه يراهن على ان النجاح او الفشل معقود فقط على موقف الدول العربية وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية، من إرادة تبني إنقاذ لبنان.
وبهذا المعنى، فإن مناسبة مؤتمر باريس ـ3 قد تكون هي بالتحديد النقطة التي منها ينطلق quot;الشرق الأوسط العربي الجديدquot;، وفي حال تحقق ذلك فإن المقاصد البعيدة لهذه الفكرة تكون قد تبلورت.
فما هو مؤتمر باريس ـ3، والحالة هذه؟
إنه، من جهة اولى قرار بمنع انهيار دولة عربية تحت وطأة ضربات ايران التي يستفيق فيها الحلم الامبراطوري الفارسي من مدخل مذهبي.
وهو، ثانيا، منح الدولة المركزية حصانة الاستمرار لئلا يتم تقسيم لبنان الى محورين متجاذبين، الأول في خدمة quot;الحلم الايرانيquot; والثاني في خدمة quot;الحلم الاميركيquot;.
وهو، ثالثا، نموذج عن قدرة الدول العربية على حماية نموذج عالمي، حيث يتغلب quot;حوار الحضاراتquot; على صدامها.
وهو، رابعا، استعادة الدول العربية للواء دعم دولة تقع في الخط الأمامي للمواجهة مع اسرائيل وللاطلالة المتفاعلة مع قضية العرب الأم أي مع فلسطين التي quot;أسرتهاquot; ايران المستتبعة لكل من quot;حزب اللهquot; وquot;حماسquot; وسوريا.
وهو، خامسا، منع للنموذج العراقي، في المرحلة الاولى من أن ينتقل من دولة عربية الى أخرى كتمهيد لتقوية عناصر المناعة العربية لإيجاد حل عربي كامل للمشكلة العراقية.
إذاً، من مدخل باريس ـ3 يمكن بلورة مضامين فكرة quot;الشرق الاوسط العربي الجديدquot; ولكن لضمان فاعلية التنفيذ لا بد من تتمات تعطي هذه الفكرة روحها العصرية التطورية، وفي هذا السياق تبرز أهمية رعاية مبدأ تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء انتفاضة الاستقلال في لبنان.
ذلك ان المحكمة التي يناضل اللبنانيون لتشكيلها، وخلافا للترويج الذي تعتمده آلة المحور السوري ـ الايراني، ليست مسألة ثأرية ولا وسيلة تصفية حسابات سياسية، بل هي الحد الفاصل بين نهاية quot;شريعة الغابquot; في العالم العربي وبين بداية حكم القانون فيه.
وبهذا المعنى، فإن quot;الشرق الاوسط العربي الجديدquot; يبقى حلم ليلة صيف إن لم يتم وضع حد لاستراتيجية قديمة العهد تقوم على تصفية القامات العربية، بهدف وضع اليد على قرار وطني لدولة عضو في جامعة الدول العربية، وهذا تحديدا ما عاناه لبنان، منذ العام 1977 حين تمّ اغتيال الزعيم كمال جنبلاط، quot;على عينك يا تاجرquot;.