قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

17 يناير 2007


أحمد ابراهيم الفقية



كان علي أن أسير ولا أتوقف عن المسيرrlm;,rlm; لأن الوقوف والاستسلام للعجز والتعب واليأس معناه انتظار الموتrlm;.rlm; لاrlm;,rlm; لا أريد أن أموت في هذا السرداب أو الأنبوب الذي وجدت نفسي فيهrlm;,rlm; وبالكاد يتسع لمسير رجل مثليrlm;,rlm; لو لم أكن نحيفا ضعيفاrlm;,rlm; لما اتسع ليrlm;,rlm; ولو أن الصدفة شاءت أن ألتقي برجل قادم من الطرف الآخر لبقينا في حيرة كيف نتجاوز بعضنا بعضاrlm;,rlm; ولكن لم يأت أي إنسان من الاتجاه المقابلrlm;,rlm; وقد بدأت رحلتي من نهاية النفقrlm;,rlm; حيث لا وجود لأي باب ولا كوة يأتي منها النور ولا منفذ للخروجrlm;,rlm; حتي لو كان ثقبا يتسع لفأر أو خنفسةrlm;,rlm; بل كيف يمكن التفكير في احتمال وجود أي إنسان في مثل هذا السرداب المدفون تحت الأرضrlm;,rlm; أو تحت الجبلrlm;,rlm; أو في أسفل الكرة الأرضية تحت البحار والمحيطاتrlm;,rlm; لأنني شخصيا لا أدري كيف وجدت نفسي فيهrlm;,rlm; ولا كيف وصلت إليهrlm;,rlm; ولا من وضعني فيه؟rlm;..

rlm; كل ما أعرفه أنني صحوت من نوميrlm;,rlm; فوجدت نفسي في قعر هذا النفق وفي بدايته التي لا تتوافر عليه أي بداية أكثر من جدار صخري يبدأ به أو ينتهي عنده النفقrlm;,rlm; فلم أجد شيئا آخر أفعله إلا أن أتحرك بالاتجاه المعاكسrlm;,rlm; أركضrlm;,rlm; وأثبrlm;,rlm; آملا أن أصل إلي نهاية سريعةrlm;,rlm; إلا أني لا أصل إلي شيء بعد الركض لمسافة طويلةrlm;,rlm; استنفذت جهدي وأسلمتني للتعب والإرهاقrlm;,rlm; فصرت أسير سيرا بدل أن أركضrlm;,rlm; محاولا المحافظة علي جزء من الطاقة الموجودة في جسمي لتسعفني بقية الطريقrlm;,rlm; انطوت المسافاتrlm;,rlm; وتعاقب الليل والنهارrlm;,rlm; تقديرا وحدساrlm;,rlm; لأني لم أكن أملك أي إشارة أعرف من خلالها مجيء النهار أو انتهاءهrlm;,rlm; وإنما بالإحساس وبطول الطريق الذي سرته والوقت الذي استغرقه هذا المسيرrlm;,rlm; المشكلة أيضا أنه لم يكن في حوزتي أي زادrlm;,rlm; يسكت الجوعrlm;,rlm; أو ماء يطفئ العطش وليس ثمة شيء في النفق يومئ بوجود ما يصلح للأكل حتي لو كان سحلية أو ضبا ولا شيء يصلح للشرابrlm;,rlm; فلا وجود لشيء غير الصخور والعتمةrlm;.rlm;

كنت قد وصلت إلي مرحلة من الإجهاد صرت معها أمشي وأنا أمسك بجدار النفقrlm;,rlm; أحمي نفسي من السقوط والانهيارrlm;,rlm; وانبعثت في نفسي طاقة من الأمل والانتعاش عندما لاح لي ضوء صغير كأنه الهلالrlm;,rlm; ظننته قريبا لكنه كان ينأي كلما اقتربت منهrlm;,rlm; وأخيرا وصلت إليه لأجد بابا للنفقrlm;,rlm; عبارة عن كوة تغطيها الصخور فتسلقت الجدار الأحرش الكثير النتوءات حتي وصلت إلي حيث مجموعة الصخورrlm;,rlm; ولا أدري من أين جاءتني ـ وأنا في تلك الحالة من الإنهاك والإرهاق ـ هذه القوة التي جعلتني أتسلق الصخورrlm;,rlm; التي كانت كبيرةrlm;,rlm; مغروسة في الأرضrlm;,rlm; حتي دحرجتها من مكانهاrlm;,rlm; وظهرت مساحة في الكوة تتسع لجسدي كي أستطيع المرور منهاrlm;,rlm; خارجا من النفق إلي أرض الله الفسيحة الشاسعةrlm;,rlm; وشمسه المنيرة الساطعةrlm;,rlm; خرجت وأنا أخشي أن يعشي عيني ضوء الشمس ولكن ما وجدته كان ضوءا شاحبا كأنه ضوء الغروب ولكن الشمس كانت لاتزال في كبد السماءrlm;,rlm; إلا أنها تدخل في حالة من المحاق أشبه بلحظات الخسوفrlm;,rlm; في البداية ظننت أن سحابة سوداء تعترضها ثم اتضح أنها ليست سحابة وإنما جسم مستدير يكاد يكون في حجمهاrlm;,rlm; مما أوحي لي بأني أشهد لحظة خسوف للشمسrlm;,rlm; خسوف يجعل الشمس تدخل تدريجيا خلف تلك الدائرة السوداء حتي يختفي ضوؤها محيلا العالم إلي حالة إظلامrlm;

rlm; ما كدت أصدق أني خرجت من محنة النفقrlm;,rlm; حتي أجد نفسي فوق الأرض وكأني عدت إلي النفق مرة أخريrlm;,rlm; فالظلام من حوليrlm;,rlm; يلف كل شيء إلي حد لا أستطيع أن أتبين معه طريقيrlm;,rlm; كان الطريق في النفق تحدده المساحة الضيقة للنفق التي لا تتسع إلا لجسديrlm;,rlm; ولكني هنا في متاهة سوداء أشد قسوة من النفقrlm;,rlm; لأني لا أستطيع أن أعرف لنفسي اتجاها أو طريقاrlm;,rlm; وحالة ملتبسةrlm;,rlm; هو الليل الذي ليس ليلاrlm;,rlm; والنهار الذي لا ضوء فيه والشمس التي لا تضيءrlm;,rlm; ولا تريد أن تخرج من خلف الدائرة السوداءrlm;,rlm; ولا سبيل لمعرفة كم سيدوم هذا الإظلام أو هذا الخسوفrlm;,rlm; كل ما استطعت عمله هو أن جلست ثم زحفت باحثا عن أي عشبة أبلل بها ريقي وأكسر بها صومي عن الطعامrlm;.rlm;

وكنت فعلا خلال هذه المحاولات للعثور علي شيء من حشائش الأرضrlm;,rlm; أنجح أحيانا في استلال عشبة خضراءrlm;,rlm; لا أستطيع أن أعرف لها شكلاrlm;,rlm; ولا أن أتبين لها طعماrlm;,rlm; ولكني من شدة عطشي وجوعي كنت ألتهمها التهاما إلي أن تحقق لي نوع من الراحةrlm;,rlm; فتمددت في العراء وتحت ظلام الشمس التي لا تضيءrlm;,rlm; اغمض عيني أتوسل شيئا من النومrlm;,rlm; ويبدو أن الإجهاد قد فعل فعله بجسدي وأطرافي فاستسلمت لنعاس لذيذ أحسست به يسري في جسمي كالمخدرrlm;,rlm; ولم أشعر بنفسي إلا عندما صحوت في الصباح نائما في سريري بجسم يطفح عرقاrlm;,rlm; مدركا أن ما رأيته لم يكن كابوسا ولم يكن حلما ولم يستغرق مني ليلة واحدةrlm;,rlm; وإنما أشهرrlm;,rlm; إن لم يكن أعواماrlm;,rlm; بدليل هذا الشعر الكثيف الأشعث الذي تتخلله خيوط فضيةrlm;,rlm; الذي نمي في وجهي وهذا اللون الأبيض الذي غزا فجأة شعر رأسيrlm;,rlm; وكنت أراه بالأمس فاحم السواد عندما كنت أنظر في المرآةrlm;.rlm;

هل هذه الأسطر قصة قصيرةrlm;,rlm; أم ربما خواطر قاسية أملاها الإحساس بالدخول إلي عتبات تلك المرحلة المتقدمة من العمر التي نسميها الشيخوخة؟