خيري منصور

حتى وقت قريب كانت الكلمة المطبوعة ذات سحر نافذ، وكان الناس يقولون لبعضهم ان الدليل على صحة هذا الرأي أو ذاك، أو على صدق هذه الشائعة أو تلك انها نشرت في صحيفة. وقد تكون حداثة عهد البشر بالتدوين هي السبب، أو ربما لاقتران المطبوع بالمتعلمين الذين كانوا نسبة قليلة قياساً الى أعداد الأميين الغفيرة.

ويبدو أن وهم هذه المعصومية للكلام المنشور قد انتقلت عدواه الى الإعلام الفضائي، وأصبح البعض يعتقدون أن ما يقولونه يصبح صائباً لمجرد أنه بُثّ، تماماً كما كان البعض يتوهمون أن نشر مقالة أو رأي هو بمثابة الاعتراف بالأهمية والتكريس.

ولكثرة عدد الصحف العربية المقيمة والمهاجرة ووفرة عدد الفضائيات والأرضيات، فقد أصبح الهواء كالورق بحاجة الى علف على مدار الساعة لأن الاثنين، الهواء والورق لا يشبعان، وبسبب هذه الوفرة، تدنى المعيار، وارتخت الشروط، وما كان عصياً إلا على أصحاب الاختصاص أصبح مشاعاً، ما دام بإمكان أي مراسل تلفزيوني ان يطلق صفة مفكر على أحد هواة الحديث المتلفز، ولو أحصينا عدد المفكرين العرب كما تقدمهم الفضائيات والأرضيات فإننا سنجد ان لكل خمسة أفراد مفكراً والأمة بألف خير، لأنها تعيش حقبتها الذهبية أكثر من أثينا الاغريقية في القرن الرابع قبل الميلاد وفي عهد بركليس.

لكن من حسن حظ تراثنا العربي - الإسلامي أن الأسلاف اهتدوا مبكراً الى جملة من الحقائق هي تقطير لخبرات ومكابدات لا آخر لها.

ان أمة فيها هذا العدد الهائل من المفكرين كما يقدمهم الإعلام بشقيه الرسمي والشعبي، لا يمكن لها أن تكون على هذا الحال، وأن تصاب بهذه الأنيميا الحادة التي تضعف مناعتها بحيث يقتتل الأشقاء على زبيبة.

الوفرة في كل شيء تفضي بالضرورة الى قدر من التفريط، سواء تعلق الأمر بالمقاييس أو مساحة الامتلاك، وذلك انسجاماً مع الفكرة القائلة ان البحر لا ينتهي ولا يفرغ من مائه ما دام هناك شتاء.. لكن الحقيقة بعكس ذلك، فما يزداد كلما غرفنا منه هو الحفرة وليس البحر، لأنها تتعمق كلما نقصت، لكنها تبقى حفرة، وتتجه نحو باطن الأرض والعوالم السفلية بعيداً عن الضوء والهواء.

والشيء الخطير في هذا الإغداق الذي يمارسه الإعلام وهو يوزع الألقاب بالمجان، ليس إفساد المعايير فقط، وخلق أوهام العصمة، انه يزيّن لضحاياه أموراً قد تدفعهم الى مجازفات خرقاء، ونحن نسمع أحياناً من مفكرين موسميين آراء تشبه جرافة أو ممحاة.. بحيث يحذفون حدثاً تاريخياً فاصلا بجرة قلم أو بالزبد المتطاير من الفم لحظة الانفعال القصوى التي يحتجب فيها العقل.

إن المشكلة الإنسانية الكبرى والخالدة هي تصديق الإنسان لما يحلو له أن يتقمصه من الصفات، لهذا قال مفكر معاصر ان الفارق بين الاسكندر الكبير ومن يعتقد أمام المرايا انه الاسكندر هو أن الأول يؤيده التاريخ، لكن الثاني لا تشهد معه حتى زوجته، لأنه باختصار مجنون.

وحبذا لو تغل بعض الصحف الحاتمية الكرم وبعض الفضائيات شديدة التسامح اليد قليلاً وهي تغدق من الألقاب ما ينوء به البعير.. فالكلمة المطبوعة ليست سحرية، وتحتمل الصواب والخطأ كالكلام المنطوق، والكلمة المتلفزة ليست معصومة على الإطلاق لأنها قيلت عبر الكاميرا.

ألا يكفي ما لدينا من أوهام.. كي نضيف إليها ديك الحبش والطاووس؟ وهما من أضعف خلق الله.