جاسر الجاسر


من ملامح الخصوصية أن تتفرد عن بقية العالمين في أمور حياتك، وأن تخالف دربهم فتكتسب امتيازاً شكلياً تبعاً لذلك بغض النظر عن طبيعة هذا الامتياز وكيفية تقييم الآخرين له.
وتتضاعف قيمة الخصوصية إن كانت مخالفتك قصداً لا بسبب وضع اقتصادي أو حرب أهلية أو غيرها من الظروف القسرية المعيقة للانفتاح، ثم تكون الأكثر اتصالاً بالآخر وتماساً معه بحكم النزوع نحو التنمية المعمارية، ومنافسته في بعض مظاهر حياتهم التي تنتقيها خضوعاً لمسار أيدلوجي اعتمد الآخرخصماً وعدواً ومتآمراً في كل وقت، وأن غايته الوحيدة سلب هذه الخصوصية وتدمير ملامحها الرائقة فتذوب في محيطه، وتتساوى مع بقية البشر على الأقل في معايير التذوق والجمال الفني، وتتقدم بمساهمتك في هذه الحقول مؤكداً جوهر ملمحك الحضاري، وكاشفاً عن مسار اندماجك.

وفق هذه الخصوصية ترى أن المسرح إن خرج عن العباءة الصحوية المدججة بشفرات الثورة والمخالفة، والقائمة على هدم بنية الدولة الصحيحة، وعرقلة جوهر تنميتها فإنه عمل شيطاني تخريبي يشيع الفساد، ويزرع الخراب في عقول الناشئة لأنهم يخرجهم عن الخط التدريبي الذي يرعاه أرباب الصحوة ومشايخها. وأن السينما بدعة العصر وآفته تغتال البراءة والنقاء اللذين تتوافر عليهما دون بقية البشر.

المفارقة أنك تعبث أبناءك للتعلم في بيئات تتنفس هذه الفنون، وتربي بواسطتها قيم التذوق والحس الجمالي، وتقضي صيفك ترتاد المسارح ودور السينما ملتقطاً هذه المتع لتسد حالة البيات الطويلة تبعاً لظروفك الاجتماعية والمالية، حالقاً بذلك حالة انفصام غير مسبوقة في النسق الاجتماعي، ومولداً توتراً داخلياً يزلزل البنية النفسية وربما الأخلاقية، ويجعل السمة السلوكية المكتررة هي الازدواجية والتلون وتعدد المعايير.

قد يكون مقبولاً فرض هذه الغيبوبة حينما كانت قنوات الاتصال محدودة، وخاضعة للحجب والتشويش والمصادرة، أما بعد طوفان الانفتاح الإعلامي فإنها تغدو تعسفاً، والغاءً لحقك في ممارسة هواياتك البسيطة فتظل أسير هذا الاحتجاز ظاهرياً بينما هويتدفق عليك من كل ناحية سواء الأقمار الصناعية أو محلات الفيديو والكاسيت فضلاً عن شبكة الانترنت السحرية.
المسألة تبدو محاولة استعراض سلطة، وتأكيد الهيمنة لأن مغزى الحجاب سقط منذ أكثر من عقد، كما أن استمراريته تشجع الممارسات المستترة وترسخ حالة الازدواجية.

المفارقة هي تشجيع بعض المحاولات الفردية في محالي المسرح والسينما في محاولة للزعم بالانفتاح مايجعل النتيجة ماسأوية ومدعاة للإحباط نسبة للبون الشاسع الذي يفصلك عن الآخر.
هذه سنة جديدة مشعة بمنحى اصلاحي متنوع أفلا يحق لهذين الحقلين رؤية النور حتى يحظى الناس بنفحات جمالية تقحمهم، وإن متأخراً، في سياق المجتمعات المجاورة؟
كل الآمال التي كانت سابقاً مستحيلة تبدو اليوم ثمرة ناضجة في متناول اليد.


[email protected]