قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

18 يناير 2007


عزمي بشارة


لم يستقل رئيس الأركان ldquo;الإسرائيليrdquo; دان حالوتس بسبب مقولاته العنصرية والفاشية حول شعور الطيار ldquo;الإسرائيليrdquo; عند إلقاء قنبلة بوزن طن على بناية سكنية تسببت بمذبحة في غزة، يوليو/ تموز 2002. لقد أجاب رئيس الأركان، قائد سلاح الطيران في حينه، عن سؤال عن شعور الطيار الذي يتسبب بمذبحة كهذه: ldquo;يشعر الطيار في هذه الحالة برعشة في طرف جناح الطائرة الخلفيrdquo;. هذا كل شيء. لم يستقل حالوتس، ولم يحاكم على تلك الجريمة ولا على غيرها، ولم تمنع تفوهاته هذه ترقيته، بل رقي إلى منصب رئيس الأركان.

وقد استقال حالياً ليس لأنه قتل أو حارب، أو دفع إلى الحرب، بل بمعنى ما لأنه لم يقتل أو يقاتل كفاية، أي لأنه عرض جنوده للقتل في الحرب. وكان يفترض بموجب العقلية السائدة منذ حرب 67 أن يحارب من دون أن يفقد جنوداً. لم تؤد المذابح من الدوير وحتى قانا وغيرها من البلدات اللبنانية إلى استقالته، بل إن هذه المذابح لم تكف لتقويض دفاعات المقاومة التي فاجأتهم بعدها بأدائها القتالي المتفاني.

لم يكن لدي أدنى شك في انه سوف تتم التضحية بحالوتس. وقد كتبت ذلك عندما ثارت ضجة حول لجان التحقيق هنا. وكما في الماضي سهلت التضحية بالمستوى العسكري الذي يجب أن يجلب النصر. ولم يكن النقد الذي انطلق فجأة على عدوان يوليو/ تموز على لبنان بعد أن هدأت هستيريا قرع طبول الحرب نقداً سياسياً حول عملية صنع القرار بالخروج إلى الحرب بهذه السهولة بسبب حادثة حدودية، ولا على العقلية العنصرية التي افترضت سهولة الانتصار على حزب الله، ولا على سهولة الانجرار لرغبات أمريكية متعلقة

بتصفية المقاومة كقوة سياسية داخلية في لبنان.

لقد استقال حالوتس لأن المؤسسة ldquo;الإسرائيليةrdquo; الحاكمة ما زالت تؤمن بقوة الردع وضرورة صيانتها، بما في ذلك محاسبة الضباط الذين لم يتقنوا الردع. ولا تشكل استقالته تغييرا بل إصرارا على نفس النهج. فالاستقالة عبارة عن اعتراف ضمني بمسؤولية عسكرية عن فشل إدارة الردع وليس فشل نظرية الردع، ولكن الأهم من ذلك هو عدم محاسبة صناع القرار وعملية صنع القرار بشأن شن الحرب من دون ldquo;سبب كافrdquo; للحرب، ولا حتى بخصوص سياسات غير متعلقة بالأخلاقيات والجرائم، مثل التدخل في الشأن اللبناني الداخلي للقضاء على المقاومة كطرف سياسي داخل لبنان، ولا بخصوص المسؤولية عن فشل المفاوضات مع سوريا، ولا حتى بشأن إساءة تقدير قوة المقاومة.

لقد التقى اليسار واليمين في حملة التحريض على الحرب على لبنان، كما التقيا في تفاؤلهما بخصوص النتائج، ثم عادا والتقيا فور الفشل في تركيز الجهود على مطلب لجنة تحقيق في الفشل العسكري، لأن اليسار واليمين يجتمعان على ترسيخ إمكان وفكرة، بل عقيدة الانتصار. استقال دان حالوتس، أو ldquo;استقيلrdquo;، بسبب عدم قدرته على تحقيق الانتصار الذي جهزا جمهورهما له، وقد اتهم حالوتس إما بالاستخفاف بالقوات البرية ودورها أو بعدم زجها في المعركة أو دفعها الى الميدان في الوقت المناسب، وباختصار بأنه ldquo;دخل الحرب من غير عدةrdquo;.

***

في نفس أسبوع استقالة حالوتس وفي محكمة عسكرية منسية اتخذ قرار آخر أكثر تعبيرا عن العقلية السائدة في المؤسسة العسكرية وعن سعي مثابر في المؤسسة ldquo;الإسرائيليةrdquo; برمتها للحفاظ على هذه العقلية. وأقصد عدم المس بقوة الردع وذلك بواسطة الامتناع عن معاقبة جنود (وفي حالات عديدة مكافأتهم) على قتل العرب. يوم 15 يناير/ كانون الثاني الجاري أعلن أن الادعاء العام قد عقد صفقة مع جنود الاحتلال الذين قتلوا اربعة صبية وتسببوا بعاهة دائمة لخمسة في جنين وخرجوا من دون عقوبة، بل بأحكام مع وقف التنفيذ. ونشرت الصحف تصريحا لضابط يؤكد أن مجرد عقد المحكمة شكل شهادة شرف ل ldquo;إسرائيلrdquo;. بتاريخ 21/6/،2002 حوالي الساعة 11،30 صباحاً، في أوج حملة ldquo;السور الواقيrdquo; أعلن الجيش لسكان جنين أن بإمكانهم الخروج من منازلهم للتزوّد بحاجاتهم البيتية لبضع ساعات.

وقد سمح يوسف أبو عزيز لأولاده الثلاثة؛ التوأمين جميل وأحمد (13 عاماً) وأخيهما طارق بالخروج الى الدكان القريب لشراء بعض الحلوى، عند عودتهم قام مصوّر هاوٍ بتصوير مسرح الجريمة من سطح البيوت بكاميرا فيديو، حيث يظهر الأولاد الثلاثة وهم على دراجاتهم.

امرأة تصرخ بكلمات غير واضحة... تحذرهم من دبابة كانت خلفهم، تظهر الدبابة من طرف الشارع... يسرع الاولاد هاربين، وفجأة يسمع صوت انفجار كبير...وبعده يظهر مشهد الاشلاء المتناثرة لأطفال ودراجات هوائية مكسرة... وشكولاتة ومخلفات البوظة.

وقد قامت ال BBC لاحقا بعرض الشريط عبر شاشاتها، وتقدمت العائلة بشكوى قضائية مطالبة بفتح ملف تحقيق في حيثيات الحادث.

ويوم 10/8/2003 قدمت لائحة اتهام ضد قائد كتيبة الدبابات التي تسببت بالحادث، الملازم ldquo;لrdquo;، ولاحقاً لذلك في 18/3/2004 تم تقديم لائحة اتهام أخرى ضد قائد الكتيبة العسكرية الذي اعطى الأمر بإطلاق النار ldquo;شrdquo;.

أما قائد اللواء موشيه تمير فقد اكتفت السلطات بتقديمه لمحكمة تأديبية، وأفادت صحيفة هآرتس لاحقاً أن قائد سلاح البحريه المتقاعد العميد يديديا ياعاري قد برّأه من التهم المنسوبة

اليه.

أعلمت النيابة العسكرية يوم 7/1/2007 وكيل العائلة أنها، ونظراً للصعوبات في اثبات مسؤولية المتهمين عن مقتل الشهداء وجرح المصابين، توصلت إلى صفقة مع المتهمين وأن المحكمة العسكرية الخاصة قد صادقت على هذه الصفقة. وذلك بعد إجراءات توفيقية قام بها رئيس المحكمة العسكرية.

وبناءً على هذه الصفقة، تم تغيير التهم المنسوبة للمتهمين، وتم فرض عقوبة تأديبيّة وسجن مع وقف التنفيذ على المقدم ldquo;شrdquo;، قائد كتيبة الدبابات.

أما الملازم ldquo;لrdquo; فقد تم تخفيض رتبته العسكرية وفرض عليه سجن مع وقف التنفيذ.

وحظرت المحكمة نشر أية معلومة عن هوية المتهمين (انظر مقال محامي العائلة الغاضب حسين أبو حسين في موقع عرب 48).

ولكن كما في بقية القضايا ثبت ان احتجاج اليسار ضد هذه الجريمة وانجرار الإعلام خاصة إزاء توفر الصور عن الجريمة وارتباك اليمين، ثم التحقيق والمحاكمة ثم الزمن والزمن والزمن... كلها تتحول إلى وسائل لامتصاص عنصر الإثارة ومعه أي احتجاج غير أخلاقي على جريمة، وتنقل أية فضيحة من صفحات الصحف الأولى وبرامج الأخبار ومجلاتها التلفزيونية والندوات وغيرها إلى سطر واحد في صفحة داخلية في أفضل الحالات. ويبقى الحفاظ على قوة الردع، لكي لا يخشى الجنود في المستقبل أو يترددوا في إطلاق النار على العرب.

***

نفس الصحيفة التي تقبل ان تتزعزع من حجم جريمة فاضحة لأي ليبرالي صامت، وغالبية الجرائم لا تحظى بهذه المنزلة، نفس الصحيفة التي طالبت بشن الحرب على لبنان وجندت أقلامها بحماس لغرض تمجيد الإرادة التي تأخرت في تحقيق الانتصار على لبنان، نفس هذه الصحيفة كرست صفحتها الأولى يوم 15 يناير/ كانون الثاني لتزف بشرى التوصل إلى اتفاق مبادئ بين ldquo;إسرائيلrdquo; وسوريا.

وبرأينا فإن العقلية ذاتها التي حكمت سلوك اللوبي الإعلامي ldquo;الإسرائيليrdquo; في التحريض لشن العدوان على لبنان ونشر الآراء المسبقة والأوهام حول المقاومة وحول الوضع الداخلي في لبنان، وأحكمت الحصار الإعلامي على دان حالوتس ليس بسبب عنصريته بل فشله في تحقيق آمالها، والتي نشرت أخبار الجريمة في جنين ثم اختارت عدم التعامل إطلاقا مع تبرئة المجرمين وإعفائهم من المسؤولية عن ممارسات الاحتلال وقتل العرب، نفس العقلية التي حرضت لتوسيع نطاق الحرب لتشمل سوريا، هي التي تحكم حالياً نشر الأوهام حول إمكان التوصل إلى سلام مع سوريا من دون الأخذ بعين الاعتبار ما تم التوصل إليه في مفاوضات مباشرة بين سوريا وrdquo;إسرائيلrdquo;.

لقد توصلت وفود رسمية سورية وrdquo;إسرائيليةrdquo; في مفاوضات علنية إلى اتفاق يشمل تفاصيل التفاصيل اجل توقيعه قرار اسحق رابين ثم قرار ايهود باراك السياسي.

ومن توصل إلى تفاهمات تفصيلية علنية تضمن انسحاباً الى حدود الرابع من يونيو/ حزيران وتكافؤ المناطق المنزوعة السلاح وغيرها لا ينجر للبحث سرا في اتفاق مبادئ عام وغير رسمي من هذا النوع.

ولكن نفس القوى التي نشرت وهم إمكان التوصل الى اتفاق مع ياسر عرفات بشروط بيل كلينتون ثم خاب أملها في كامب ديفيد الذي تبعه الانهيار فشنت حملة تحريض على عرفات، تقوم حالياً بنشر الأوهام حول إمكان التوصل إلى سلام مع سوريا بشروط ldquo;قوى السلامrdquo; ldquo;الإسرائيليةrdquo;.

لم يكن النشر في ldquo;هآرتسrdquo; يوم 15 يناير/ كانون الثاني ،2007 حول اتفاق مبادئ مفصل مفترض مجرد تأكيد على سبق صحافي. فلا مضمون الخبر ولا أهميته هنالك تبرر الضجة حول حوارات مع سوري من أصل أمريكي يدير حواراً غير رسمي حتى لو كان بعلم السلطات السورية (ونحن لا نعرف إذا كان الاتفاق بعلمها، ونعرف انه لم يتم بموافقتها) ما يبررها هو رغبة هذه الأوساط في ldquo;هآرتسrdquo; في التأثير في مجرى الأحداث في ldquo;إسرائيلrdquo;.

وكانت هذه الأوساط قد اقترحت توسيع الحرب لتشمل سوريا أيضا. وهي بعد فشل نظريتها بالانتصار على المقاومة في لبنان وحده، تحاول بقوة وإلحاح طرح موضوع المفاوضات مع سوريا على جدول الأعمال. ولا شك أن لديها قراراً للتأكيد على إمكان السلام مع سوريا بشروط ldquo;إسرائيليةrdquo; خاصة إزاء ما تقرره هي كحاجة سورية بعد اغتيال رفيق الحريري والانسحاب من لبنان، تبرر محاولة مراجعة الموقف السوري في هذه الأثناء. وهي تلح لأنها تصطدم بالموقف الأمريكي من المفاوضات مع سوريا وتحاول على نمط أوسلو أن تضع الولايات المتحدة أمام حقائق جاهزة في مفاوضات سرية، وأن تصعق الرأي العام ldquo;الإسرائيليrdquo; بتفاهمات باليد بنفس منطق وثيقة جنيف وغيرها. ولكن التجربة أثبتت أن هذا الأسلوب لا يفيد على مستوى الرأي العام ldquo;الإسرائيليrdquo; ولا على المستوى الرسمي.

لا تقبل سوريا التفاوض السري لأن التفاوض العلني أنجز ما أنجز، والتنازل عن العلنية الى السرية قد يوحي بتنازل. وليس من سبب يدفعها للتنازل، وهي تدرك أن ldquo;إسرائيلrdquo; تعرف شروط السلام مع سوريا، ولا حاجة حتى للتفاوض حولها، يحتاج الأمر قرارا سياسيا ldquo;إسرائيلياrdquo; لا توفره اتصالات سرية، بل تفاهم ldquo;إسرائيليrdquo; أمريكي ورغبة ldquo;إسرائيليةrdquo; في تحقيق هذا السلام. وأي محاولة لإغراء ldquo;إسرائيلrdquo; بتنازلات تقدم سوف يؤدي إلى طلب المزيد بنفس منطق أوسلو. وسوريا خير من يعرف ذلك.

أمام ldquo;إسرائيلrdquo; بديلان في ما يتعلق بسوريا، يتمثل بديل التفاوض إما بالإمساك بمبادرة السلام العربية كفرصة تاريخية وكإعلان مبادئ علني، وإما العودة الى التفاهمات التي تم التوصل إليها رسمياً بين سوريا وrdquo;إسرائيلrdquo; في جولتين تفاوضيتين. أما البديل غير التفاوضي فهو لا يقود إلى مفاوضات سرية، بل إلى التصعيد وتمسك سوريا بخيار المقاومة وتبنيه رسمياً كدولة أيضا.