18 يناير 2007
د. حسن مدن
إزاء العلاقات الإيرانية - الخليجية لا بد من تأكيد البداهة الواضحة، وهي أننا محكومون بالجغرافيا. للجغرافيا منطقها الذي لا فرار منه ولا خروج عليه. بإمكان الدول أن تغير سياساتها حسب الظروف، وبإمكانها، أحيانا، أن تعيد النظر حتى في التاريخ ذاته إذا وجدت أن بعض وقائعه تبعث على أوجاع معينة، فتتحاشى مناطق الألم، لكن الجغرافيا لا يمكن تغييرها أو تبديلها، لا تستطيع دولة أن تقول لدولة أخرى مجاورة: إن جوارك يزعجني فإما أن ترحلي أو أرحل أنا.
هذا إذا دار الحديث عن البداهات. لكن ما بيننا وبين إيران ليس الجغرافيا وحدها وإنما التاريخ المشترك، بصرف النظر عن قضايا الالتباس في هذا التاريخ البعيد منه والقريب، وهي القضايا التي يعرفها كل من له معرفة أولية بأمور هذا التاريخ، وبيننا وبين إيران أيضا مسؤوليات وهموم مشتركة، تتمثل في الحفاظ على أمن منطقة الخليج بوجه الأخطار الكثيرة التي تواجهها هذه المنطقة، وبلورة مفهوم للأمن الإقليمي يستجيب لمصالح شعوبها، رغم العقبات الجدية التي تعيق بلورة مثل هذا المفهوم، وبعض هذه العقبات آت لنا من الخارج، وبعضها ناجم عن فشل الأطراف الإقليمية في بلوغ تفاهمات حول المسائل الأمنية الخاصة بالمنطقة.
أما الملف الأخطر الذي علينا أن نواجهه بصورة جماعية فهو مخاطر تعرض إيران إلى ضربة عسكرية أمريكية، أو ldquo;إسرائيليةrdquo;، لمنشآتها النووية يمكن أن تترتب عليها مفاعيل خطيرة تتخطى إيران ذاتها لتنال من محيطها الخليجي، الذي ليس بوسعه أن يقف موقف اللامبالاة إزاء ما يدور حوله من تطورات تنذر بأخطر العواقب ، التي لا يقلل منها التأكيدات المتتالية من قبل القيادة الإيرانية حول استبعاد أي ضربة توجه لها، بل والميل للقول باستحالة هذه الضربة، فيما يشبه الرهان على المأزق الأمريكي في العراق، وهو تعويل ليس في محله، لأن نمط التفكير السائد اليوم في البيت الأبيض وفي البنتاجون، على حد سواء، لا يقيم كبير اعتبار لمثل هذا الأمر، وربما يجد أصحاب هذا التفكير في مثل هذه الضربة تنفيساً عن الصعوبات التي تواجهها القوات الأمريكية في العراق، في نوع من الهروب إلى الأمام.
لا بأس من التذكير بالتحليلات الكثيرة التي قيلت عشية وغداة الحرب الأمريكية على العراق التي انتهت باحتلاله، وفحواها أن العراق لن يكون سوى هدف أول تليه أهداف أخرى، في مقدمتها إيران التي كانت هدفا أمريكيا مباشرا عبر سياسة الاحتواء المزدوج لها ولعراق صدام حسين، وتزداد أهمية محاصرة إيران، وضربها، أمام الشعور المتنامي في الإدارة الأمريكية، وفي دوائر غربية وعربية أيضا، من أن النفوذ الإيراني، بنتيجة الوضع الناشئ في العراق، يشهد المزيد من التمدد الذي يجب إيقافه مهما كلف الأمر.
ومنذ أيام كان سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير خارجية دولة الإمارات في زيارة إلى طهران، قدم خلالها رؤية سياسية مسؤولة تعكس القلق الخليجي عامة من المخاطر التي تلوح في الأفق، وهي رؤية يمكن أن تؤسس لمسعى دبلوماسي مشترك، تكون طهران طرفا فيه، هدفه الحيلولة دون بلوغ النقطة التي تصبح العودة بعدها إلى الوراء مستحيلة.













التعليقات