قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

19 يناير 2007

زينب حفني

هل الموت يعني رفع يافطة التسامح لكل من غادر الدنيا إلى غير رجعة؟! هل انتقال الروح إلى بارئها، تدفع المجتمعات إلى إسدال الستار على أفعال صاحبها، ومحو كل ما اقترفه من زلات في حياته؟! هل الموت يحثُّ الأفراد داخل المجتمعات، على إعادة النظر في كافة الأحكام التي أصدروها في حياة هذا الأديب أو ذاك، من الذين قدموا فكراً مغايراً، أو طرحاً جريئاً، أو أثاروا الكثير من اللغط، وحرّكوا ضغائن البعض تجاههم؟!
قرأت في عدد من الصحف، وعلى صفحات الإنترنت، أن الأديب النوبلي نجيب محفوظ الذي تعرّض لمحاولة اغتيال عام 1994 على يد شاب متطرف، اعترف في التحقيقات بأنه لم يقرأ رواية quot;أولاد حارتناquot;، ولكنه استجاب للفتوى التي أصدرها quot;أمير الجماعةquot; وقتها الشيخ عمر عبدالرحمن، الذي ما زال يقضي عقوبته بأحد سجون الولايات المتحدة الأميركية بتهمة الإرهاب.
اليوم رواية quot;أولاد حارتناquot; التي أثارت عند نشرها الكثير من اللغط، واعترض عليها بعض شيوخ الأزهر، من أكثر الكتب مبيعاً بعد مرور أربعة أشهر على موت صاحبها، فهل الأموات يُحرِّضون مجتمعاتهم على التنقيب عن أفكارهم بعد موتهم بدافع الفضول؟! أم هي رغبة في وضع أيديهم على المقاصد الحقيقية للعمل؟! أم أنها رسالة غفران ضمنيّة للأديب الذي ولَّى إلى غير رجعة؟!
واقعة الأديب نجيب محفوظ، تحثنا على إعادة النظر، والتدقيق في الصور المنتشرة أمام أعيننا، عن فداحة الأثمان التي يدفعها الكثير من المفكرين والأدباء والصحافيين الذين قرروا النزول بجسارة إلى ساحة الوغى بأقلامهم، غير مكترثين بالرماح التي ترشقهم من كل حدب وصوب لتخمد أصواتهم وتشلَّ قدراتهم، مما يؤكد أنهم ضحايا لمجتمعات موغلة في فسادها السياسي، ومتطرِّفة في معتقدها الديني، ولديها غلو في سلوكها الاجتماعي!
في شهر أكتوبر العام الفائت بمدينة تورنتو، أقيم المهرجان العالمي quot;بلا رقابةquot; برعاية منظمة quot;قلم كنداquot;، وهي منظمة تدعو إلى دعم حرية التعبير، والدفاع عن سجناء الرأي، وقد تضمَّن المهرجان تكريماً لعدد من الأدباء والصحافيين الذين تعرضوا للقمع أو السجن أو التعذيب أو للنقد اللاذع من قبل مجتمعاتهم، وتضمن المهرجان كذلك المطالبة بإطلاق السجناء من الكُتَّاب، الذين غُيِّبوا في السجون بسبب نبل مواقفهم، ونزاهة مطالبهم.
هل يجب أن تنتظر المجتمعات الموت، لكي تُحرِّر ورقة تسامح في حق أدبائها؟! من البديهي القول إن متعة الكاتب الحقيقية، تتجسّد حين يرى أطروحاته التي جاهد من أجلها، تتردد سطورها في أروقة مجتمعاته وهو حي يرزق، دون أن يُرمى بالحجارة، ويُنعت بأقذع الشتائم!
إن حرية التعبير يجب أن تكون مكفولة للجميع دون استثناء، ولندع التاريخ يُقرر مدى نصاعة الأفكار، فلا يمكن الاستمرار في تطبيق أسلوب القمع على كل من سنَّ قلماً، وليس من المنطق حجب نتاج الأدباء، وفرض الوصاية الفكرية، بحجة المحافظة على المجتمعات من التلوث الفكري أو العقائدي أو الاجتماعي، في الوقت الذي نجد الأنظمة السياسية في كثير من بلدان العالم الثالث، تُحيل أوطانها إلى أراضٍ جدباء لا تصلح للحرث أو للوجود الإنساني، مهلكة كل من يحاول ردعها، أو وضع حد لتصرفاتها الرعناء، مما يستوجب إلغاء الرقابة الفكرية، وفتح أبواب النقد البناء، وروافد المعرفة أمام الجميع، مما خطَّه الأدباء والمفكرون على اختلاف توجهاتهم، لأن الكلمات تظل دوماً هي القطرات النقيّة التي تروي العقول المتحجِّرة، وكم من عقول عربية تحتاج إلى تفتيت، وإعادة بنائها من جديد!