20 يناير 2007


أبو خلدون


نستعيد ذلك الهيام الصوفي الذي شعر به المستشرق اغناطيوس كراتشكوفيسكي وهو يراجع المخطوطات العربية: ldquo;المخطوطات تهمس وأنا أدقق النظر فيها باهتمامrdquo;. وفي كتابه ldquo;مع المخطوطاتrdquo; يقول: ldquo;ما إن تتذكر هذه المخطوطات أو تهم بالحديث عنها حتى تهب سلسلة من الشخصيات من القرون البعيدة الماضية، ومن الأعوام القريبة من حياتك الخاصةrdquo;. وفي الكتاب نفسه يقول: ldquo;أولئك الأصدقاء لا يستطيع أحد أن ينتزعهم منك، إن فصولا بأكملها من التاريخ كانت مجهولة ثم فتحت لك، وإن كثيرا من الشخصيات خرجت من صفحاتها وكأنها حية وتجسدت أمامك، فرأيتها رؤية العينrdquo;.

هذا هو ما كانت تهمس به المخطوطات لكراتشكوفيسكي، وهذا هو الهمس الذي كان يدقق النظر فيه باهتمام ولا يصغي له بأذنيه فقط، إنه لا يستعيد الماضي فحسب، ولا يتعامل معه كحقبة ميتة، وإنما يتفاعل معه باستعادة ldquo;الأعوام القريبةrdquo; من حياته، ويجعل الحياة تنبعث من بين ثناياه، وفي تعامله معه ينشط إحساسه بالمسؤولية العلمية والتاريخية التي تحتم عليه الموضوعية بغض النظر عن جنس ودين مبدعي وشخصيات هذا الماضي. وفي حديثة عن حرية الفكر في ظل الدولة الإسلامية يستشهد بقصيدة أنشدها الأخطل (وهو غير مسلم) أمام الخليفة الأموي يقول فيها:

ولست بصائم رمضان طوعا

ولست بآكل لحم الأضاحي

ويقول: ldquo;إن الأخطل مارس حرية التعبير التي كفلها الإسلام لاتباعه ولاتباع الديانات الأخرى بشكل متجاسر حتى أمام الخليفة الذي يمثل أعلى سلطة دينية وسياسية في ذلك الوقت، والخليفة لم يعاقب الأخطل، ولم يطالب بحرق كتبه أو حذف هذه القصيدة من شعره، بل إن العرب حفظوا هذه الأبيات على مر العصور، وهذا الموقف لا يصدر عن عقل منغلق متعصب وإنما عن عقل متفتح حرrdquo;.

وبشكل عام، ينظر المستشرقون الروس إلى الإسلام والعرب وتراثهم نظرة تقدير، ومع ذلك يتجاهلهم مفكرونا ويتعلقون بالمستشرقين والأدباء الغربيين الذين نظروا إلى تاريخنا وتراثنا من خلال الحقد الذي خلفته الحروب الصليبية التي فشلت في تحقيق غاياتها في نفوسهم، ومنهم شاتوبريان الذي يقول: ldquo;العرب لا يعرفون شيئا عن الحرية، وليس لديهم شيء من الاحتشام، والقوة هي معبودهم، وحين تمر بهم فترات طويلة لا يرون فيها فاتحين يبدون مثل جنود من غير قائد، مثل مواطنين غير شرعيين، مثل عائلة بلا أبrdquo; أو كرومر الذي يقول: ldquo;الدقة كريهة بالنسبة للعقل الشرقي، بينما الأوروبي منطقي مطبوع، وتقريره للحقائق خال من أي التباس رغم أنه قد لا يكون قد درس المنطق، أما الشرقي فإنه مثل شوارع مدنه يفتقر إلى التناظر، ومحاكمته العقلية تصدر عن طبيعة مهلهلة إلى أقصى درجة، وغالبا ما يعجز عن استخراج أكثر الاستنتاجات وضوحا من أبسط المقدمات التي يعترف هو بدءا بصحتهاrdquo;.

والشرق في نظر هؤلاء الأوروبيين منغلق، كسول غارق في سباته الذي لا يوحي بالحياة، بل إن أحدهم زار مصر وكتب عنها يقول: ldquo;النقوش وزريق الطيور هما الشيئان الوحيدان اللذان يدلان على الحياة هناrdquo;. وقد جرى تقديم هذه الصورة الحاقدة للأجيال المتعاقبة في أوروبا، والنظرة التي يحملها الغربيون عنا حالياً جاءت بسبب تأثرهم بما قرأوه عن هؤلاء. بل إن بعض المستغربين من مفكرينا وكتابنا ومريديهم تأثروا بهذه النظرة، ولذلك فإنهم لا يرون إننا نخوض معركة تحرر متواصلة من الاستعمار الغربي منذ بداية القرن الماضي حتى الآن هي أطول معركة يخوضها شعب من الشعوب من أجل التحرر عبر التاريخ، وينظر هؤلاء إلى ابناء شعبهم الذين قدموا تضحيات لم يقدمها شعب آخر على أنهم متخاذلون كسولون يستمرئون الذل ولا يتحركون. وشرقنا، قطعا، ليس الشرق الذي يراه هؤلاء.