قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


د. حسناء القنيعير


إن ما حدث مؤخراً في أصقاع كثيرة من العالم العربي من مسيرات ومظاهرات وندوات ومؤتمرات احتجاجاً على قتل صدام حسين ليس إلا نتيجة لثقافة تأليه الزعيم الأوحد والقائد الملهم بغض النظر عما قام به من مغامرات وما جلبه لبلاده من كوارث ونكبات. ولعل أقرب مثال في التاريخ الحديث للزعيم ( المؤله) جمال عبدالناصر حيث تحدثنا الكتب التي أرخت لفترة حكمه أنه كان زعيماً حالماً بجملة من الأهداف النبيلة لأمة العرب كالدعوة للوحدة العربية وإذكاء المشاعر القومية والتحرر من الاستعمار والقوى الامبريالية، ولا يختلف اثنان في أنها أهداف نبيلة لكن الوسيلة التي انتهجها لتحقيق تلك الأهداف كانت بكل المعايير غير نبيلة وغير سوية، ففي طريقه لتحقيق تلك الأهداف انقلب على رفاق الأمس من الضباط الأحرار، وجعل مصر سجناً كبيراً، وخنق الحريات وصادر الثروات، وزرع بذور الفتنة في البلاد العربية وشجع صغار العسكر على الانقلابات على الملكيات العربية، وقسم العالم العربي إلى معسكرين معسكر تقدمي وآخر رجعي، وخاض مغامرات باسم القومية والوحدة العربية لتحقيق حلمه بزعامة العالم العربي وكانت أكثر مغامراته فداحة حربه في اليمن التي استخدم فيها قنابل النابلم ضد اليمنيين الموالين للملكية، تلك الحرب التي كانت السبب في هزيمة 67التي خاضها بجيش أنهكته حرب اليمن.

ساعدت عبدالناصر الكاريزما التي يتمتع بها وقدرته على مخاطبة الجماهيرعلى حشد الأنصار والمؤيدين له في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، كما ساعده على ذلك خلو الساحة من الزعماء المنافسين الذين ليس لديهم طموح كطموحه ونشاط آلته الإعلامية التي كانت تروِّج لطروحاته عبر إذاعة صوت العرب ومذيعها الشهير أحمد سعيد الذي كان رائد ثقافة الكذب والتضليل في الشارع العربي عبر الشعارات التي كان يبثها في خطابه للشعوب العربية المصابة بالإحباط بسبب السياسات الغربية والاستعمارية التي هيمنت على العالم العربي ردحاً من الزمن.

أصيب العالم العربي بمقتل نتيجة لتلك الهزيمة المدوية التي ابتلعت فيها إسرائيل جزءاً كبيراً من الأراضي الفلسطينية وأجزاء أخرى من مصر والأردن وسوريا فيما كان راديو صوت العرب يصدح بأهازيج الانتصار ودخول الجيش المصري إلى تل أبيب. وكعادة العرب في رفض الهزيمة وعدم تصديقها وتغلب الحلم بالنصرحتى لو كان زائفاً على ما عداه، اصطلحوا على تسمية الهزيمة بالنكسة لأن النكسة عارض لا يلبث أن يزول أما الهزيمة فلا أحد يقدر على محوها.

ولما أعلن عبدالناصر عن عزمه على الاستقالة بسبب مسؤوليته عن الهزيمة خرجت الجماهير رافضة الاستقالة وهاتفه باسمه فهو الزعيم الإلهي الذي يجب غفران خطاياه بل عدم الاعتراف بها! وقد استمر تأليه عبدالناصر إلى اليوم على الرغم من أن العالم العربي ما زال يتجرع مرارة سياسته في إدارة الحرب مع إسرائيل ولم يستطع العرب استرجاع ما احتلته إسرائيل من الأراضي الفلسطينية منذ ذلك التاريخ.

بعد عبدالناصر شغرت الساحة العربية من الزعيم الذي يلوح بإلقاء إسرائيل في البحر وتحرير فلسطين ومقاومة العدوان الغربي والأمريكي خاصة. جاء صدام حسين ووجد الساحة العربية خالية خصوصاً حين انفض العرب كلهم عن مصر بعد كامب ديفيد وذهاب السادات إلى إسرائيل، في مطلع الثمانيات أعلن نفسه قائداً للأمة العربية وحامياً للبوابة الشرقية فشنّ الحرب على إيران الخميني، وفي هذه الحرب انقسمت النخب العربية من مثقفين وسياسيين وأعضاء نقابات وأحزاب إلى قسمين، حيث انضم الإسلاميون الراديكاليون إلى إيران المسلمة ضد صدام العلماني، وانحاز القوميون والماركسيون والتقدميون كافة إلى صدام لأنه في نظرهم الوارث الوحيد للحلم الناصري في الوحدة العربية والدفاع عن قضايا الأمة!

وبعد ثماني سنوات من الحرب التي أتت على الأخضر واليابس في المنطقة، وكان جنون العظمة قد تلبس به وبلغ مداه، غزا الكويت في مغامرة مجنونة ليس لها سابقة في التاريخ المعاصر وعندها شهد العرب انقساماً لا مثيل له أبداً من النخب العربية ذاتها فلقد هبّ القوميون والماركسيون والإسلاميون هبة واحدة رافضين الاستعانة بالقوات الأجنبية لإخراج صدام من الكويت ونادى الأولون بقوات عربية والآخرون بقوات إسلامية، وتباكى الجميع على وحدة العرب وحرمات الإسلام التي تنتهك، لكن أحدا منهم لم يُدن من كان السبب في ذلك! وطوال السنوات التي حكم فيها صدام العراق تجاهل الموالون له جرائمه ضد مواطنيه من قتل وسحل وجدع للأنوف وقطع للآذان وإبادة بالمواد الكيماوية ودفن في مقابر جماعية وملاحقة الخصوم واغتيالهم داخل العراق وخارجه، إن منطق الصمت هذا يتسق مع الثقافة التي تربوا عليها وهي ثقافة تأليه الزعيم وتجاهل أخطائه.

وبعد هزيمة صدام في الكويت جاء ابن لادن بمفهوم جديد للزعامة التي لبست هذه المرة ثوباً إسلامياً لا عربياً، وكان ابن لادن عميلاً لأمريكا في أفغانستان التي استغنت عن خدماته بعد خروج السوفييت من أفغانستان فأصابته لوثة جنون العظمة وتصور نفسه زعيماً وقائداً إسلاميا، فأخذ في تكوين الخلايا الإرهابية لشن هجمات إرهابية بهدف إخراج (الكفار) من جزيرة العرب ومن باقي البلاد الإسلامية، وكانت (غزوة منهاتن) تمثل قمة ما قام به من إرهاب غير مسبوق، الأمر الذي جعله زعيماً لا يشق له غبار في نظر كثيرين ممن يكرهون أمريكا، وبلغ حبهم وتأييدهم له حدا جعل بعضهم ينكر قيامه بذلك على الرغم من اعترافه! هذه الحادثة جعلت الإرهابي ابن لادن رمزاً للمقاومة ضد أمريكا وحلفائها أينما وجدوا وأخذت القنوات الفضائية المتطرفة كقناة الجزيرة تبث حفلات التأييد له من قبل الإسلاميين المتطرفين والعلمانيين على حد سواء وتغنى كثيرون بنصره على أمريكا ونجاحه في تحديها في عقر دارها، فلقد جمع بين الفريقين المتناقضين كرههم لأمريكا غير مبالين بالخسائر التي ألحقها بالأمة العربية التي على رأسها تجاهل دول الغرب للقضايا العربية لا سيما قضية فلسطين، ومضايقة العرب والمسلمين وتحميلهم مسؤولية الإرهاب في العالم.

ولم تكد تهدأ الفتنة التي قام بها ابن لادن حتى قام حسن نصر الله زعيم حزب الله الإيراني في لبنان بمغامراته ضد إسرائيل بخطف جنديين إسرائيليين تلك المغامرة التي كبدت لبنان الكثير من الخسائر على كل المستويات. وعلى الرغم من ذلك فلقد عدت هزيمته نصراً إلهياً، وهنا أيضاً تحالف العلمانيون والإسلاميون الراديكاليون معاً وأخذ الجميع يتغنى بالنصر الإلهي الذي حققه نصر الله.

لقد فهم هؤلاء الزعماء (والمارق ابن لادن) سرّ اللعبة وهو إعلان الحرب ضد إسرائيل وأمريكا والحكام العرب قولا أو فعلا، ليحظوا بتأييد الشارع العربي والنخب العربية من ساسة وكتاب وصحفيين وحزبيين وغيرهم، ولهذا فلقد صار صدام وحسن نصر الله وابن لادن عند هؤلاء رمزاً للصمود وتحدي إسرائيل وأمريكا، وأصبحوا نتيجة لذلك قادة تاريخيين لا يخطئون ولا يتنازلون لاعدائهم ولا يعترفون بأخطائهم ولا يهتمون بالوطن والمواطن، وغير قابلين للمساءلة والمحاسبة. وسرعان ما يتماهى أولئك مع خطاب التقديس ومظاهر عبادة الفرد حتى يستقر في عقولهم أنهم فوق البشر وتصبح تصرفاتهم كتصرفات الآلهة!

إن الزعامة والخطابة صنوان لا يفترقان، وغالبا ما استغل الزعماء المقدرة الخطابية وحاجة الجماهير إلى خطاب يذكي فيهم الحماس ويبدد شعورهم بالهزيمة والانكسار، فيعمدون إلى إثارة مشاعرهم بشعارات زائفة عن النصر وهزيمة الأعداء التي لم تحقق للعرب أدنى حد من النصر، وكثيراً ما يتفاعل الزعيم مع الجماهير فتعلو نبرته وتنتفخ أوداجه وتزداد حماسته تحت تأثير الهتاف والفداء بالروح والدم، فينزلق القائد الملهم والزعيم الفذ إلى تعبيرات ومفردات ليس أقلها التخوين والعمالة للغرب يسم بها العرب الذين لا يوافقونه على مغامراته، تلك المفردات التي هيمنت على الخطاب السياسي العربي منذ ستينيات القرن الماضي وهو الخطاب نفسه الذي دأبت على استخدامه الأنظمة العربية الثورية خصوصا تلك الأنظمة التي مازالت تصف نفسها بجبهة الصمود والتصدي، علماً أنها لم تتصدّ يوماً إلا للدول الشقيقة.

إنه من غير المستغرب أن تتفاعل الجماهير العربية مع القائد الملهم وتنهدر بين يديه وتحت قدميه متجاوبة مع الشعارات التي يهتف بها كلما لوح بقبضته مهدداً ومتوعداً إسرائيل وأمريكا ومن يقف معهما في المنطقة، لكن ما لا نفهمه هو تلك الانتقائية المقيتة التي تهيمن على خطاب الكتاب والصحفيين والسياسيين والمحللين الاستراتيجيين وغيرهم في إنكار أخطاء الزعيم وتنزيهه وتنزيله منزلة الآلهة، أولئك الذين يختزلون قضايا الأمة ويختصرونها في شخصية القائد الفذ والزعيم الملهم، فالذاكرة السياسية العربية ذاكرة انتقائية فهي في الغالب تستحضر ما تريد وتدافع عمّا يخدم مصالحها ويعزز صورة الزعيم لدى الشارع المغيّب تحت وهج الشعارات، وتنكر ما لا تريد استحضاره وما تعتبره مثلبة تشوه نقاء صورة الزعيم، فعبد الناصر عندهم لم يُهزم في حرب 67وإسرائيل لم تحتل معظم الأراضي الفلسطينية بسبب سوء إدارته للحرب لكن هذا حدث بسبب المؤامرة على الأمة العربية وخيانة بعض الأطراف له وما حدث في 67ليس إلا نكسة وشتان ما بين الهزيمة والنكسة، وصدام حسين لم يرتكب الجرائم ضد شعبه والشعوب المجاورة، وما يقال عن المجازر والمقابر الجماعية ليست سوى أكاذيب لم يقم عليها دليل! وحسن نصر الله لم يقم بمغامرة ولم يكبد الاقتصاد اللبناني خسائر بملايين الدولارات ولم يتسبب في قتل الآلاف وتشريدهم ولم يكن يوماً عامل فتنة وشقاق، أما ابن لادن فليس هو من قام بأحداث الحادي عشر من سبتمبر بل قامت بها أمريكا لأنها تريد هدم مركز التجارة العالمي!

تزوير التاريخ والقفز على الحقائق يستمدان بقاءهما من شعور هؤلاء الناس بالمرارة والخيبة، إضافة إلى الاستهانة بآلام الضحايا وبيع الضمائر الذي أصبح ظاهرة في العالم العربي في هذا الزمن، لهذا يتسابق هؤلاء على إضفاء صفات البطولة والقداسة على أولئك الزعماء، فقداسة صدام تبيح له كل الجرائم التي ارتكبها في حق الشعب العراقي، وقداسة نصر الله تبرر احتفاظه بسلاحه الذي يستقوي به على الداخل اللبناني والخارج العربي، كما تبرر كل ما ألحقه بلبنان من خسائر، وتعتبره معارضاً للحكومة وليس منقلبا على الشرعية اللبنانية، وقداسة ابن لادن تعده مجاهداً وليس إرهابياً ألحق بالأمة العربية كثيراً من الخسائر. أولئك هم المزورون الذين تستضيفهم دوما بعض القنوات الفضائية فيبالغون في التضليل والكذب إلى الحد الذي يجعلهم يصدقون أكاذيبهم، ويصبح اللقاء التلفزيوني حفلا خطابيا مدججا بكم كبير من الألفاظ التي تمجد الزعيم وتضفي عليه سمات البطولة والقداسة!

سبق أن تساءلت في مقال كتبته بعد سقوط صدام في أيدي القوات الأمريكية في العراق : هل سقوط صدام إيذان بسقوط الفكر الذي أفرز الديكتاتورية العربية وقاد الأمة إلى شر الهزائم؟ أهو إرهاص بولادة وعي عربي جديد؟ وعي يرفض تأليه الأشخاص وينبذ عبادة الزعيم، وعي يحض على إقامة مجتمعات ديموقراطية تسود فيها مبادىء الخيروالحق والعدل، وعي عربي جديد يتواءم والمتغيرات التي تشهدها المنطقة في مستوى الأفكار والسياسات، ويعمل على تغيير كثير من المفاهيم التي لابست العمل السياسي العربي؟ لكن بعد مضي ثلاث سنوات على تلك الحادثة، وما شهدناه وسمعناه بعد مقتل صدام، يجعلنا نقول بكثير من الاطمئنان أنّ لا شيء تغير وأنّ بعض العرب ما زالوا أوفياء بل أسرى لثقافة بائسة تستعصي على التغيير، لقد كان ينبغي لأولئك أن يجعلوا ما قام به صدام من إجرام وما قام به الآخرون من مغامرات غير محسوبة العواقب طريقا إلى نهج جديد في العمل والنشاط والتفكير، نهج يرفض التسلط والاستبداد والظلم والكذب والتضليل وسحق كرامة الشعوب، وأن يجعلوا هاجسهم الأول الدعوة إلى إرساء مبادىء الحرية والعدالة، وفضح المزيفين والمخادعين والمضللين وكل من يسعى إلى تحقيق مآرب خاصة على حساب الوطن والمواطنين، إن نهجا كهذا حري بتأسيس مفهوم للعدالة يعتمد معيار الانحياز للضعيف لا للقوي، وتأييد المظلوم لا الظالم، ونصرة البريء لا المجرم، ومساندة الأمين لا الخائن.