23 يناير 2007
علي الرز
منذ اللحظة الاولى لاشعال إطار سيارة ورميه على الطرقات، اعلنت المعارضة اللبنانية انها لم تكن تقصد في دعوتها للاضراب العام قياس اتجاهات الرأي العام اللبناني بل توجيه رسالة الى اللبنانيين اولا والسلطة والعالم ثانيا انها قادرة على اشعال البلد والذهاب بعيدا في التصادم مع شركاء الوطن والمؤسسات الامنية.
ما حصل في لبنان لم يكن اضرابا، لان الاضراب هو ترجمة لقناعة هذا المواطن او ذاك في الذهاب الى عمله او مدرسته او جامعته او البقاء في بيته، اما وقد قطعت الطرقات قبل صياح الديك واشعلت الاطارات وشلت الباصات والسيارات والحشود المعابر الرئيسية ومنع الناس بالقوة من تسيير امورهم فالامر اكبر من حركة احتجاجية عادية... انه فعلا يوم مفصلي كما قال الامين العام لquot;حزب اللهquot; السيد حسن نصر الله في اطار السجال الميداني بين السلطة والمعارضة المستمر منذ اكثر من خمسين يوما.
هذا اليوم المفصلي الذي لم يخل من مشاهد درامية رسم خطوط تماس جديدة بين الحرائق وبين الانفراجات، الحلول والتعقيدات، الدولة والانتفاضات، المسلم والمسلم، المسيحي والمسيحي، المؤسسات والفوضى، محور اقليمي ومحاور عربية ودولية. خطوط تماس لن تؤدي الا الى تقدم quot;امر اليومquot;: اما الثلث المعطل في الحكومة اللبنانية واما الانهيار، وحتى اللحظة يبدو ان مشروع الانهيار اخذ جرعة كبيرة مما سمي الاضراب ولم يعد امام قادة الاحتجاج، في غياب اي مخرج واضح لخروجهم من الشارع، الا ادخال الآخرين في الشارع وهذا بحد ذاته يحقق الاهداف غير المعلنة لبعض ما تريده المعارضة ومن يقف وراء المعارضة ومن يقف وراء وراء المعارضة.
مرة اخرى، ولسنا في حاجة الى تجارب درامية كالتي حصلت في quot;يوم التعبير السلمي الحضاريquot; لفهم ما يجري، القصة ليست قصة وزير معطل، فمن يعطل بلدا بكامله لا يسأل عن وزير يعارض او يؤيد. من يضرب الدورة الاقتصادية ويضعف هيبة المؤسسات الامنية ويحاصر المرافق ويعيق حياة المواطنين لا يهدف الى ضمان توافق في مجلس الوزراء. بل اكثر من ذلك، فمن يملك قرار الحرب والسلم ويقحم لبنان كله بمؤسساته وشعبه في قراره يستحيل ان يشل لبنان بهذا الشكل من اجل مشاركة في قرار حكومي. مع العلم ان هذا الفريق شارك في كل القرارات باستثناء واحد فقط... وهنا بيت القصيد.
كل طيف من اطياف المعارضة يسعى الى غاية واضحة من تحركه، كل طرف يريد الوصول الى مرحلة تتعلق بتطلعاته، كل تيار يريد تحقيق اهدافه المعلنة والمستترة. انما فوق ذلك كله ارادة واحدة يمكن ان تستفيد من كل هذه التباينات لتوظيفها في المعادلة الواضحة: إما تعطيل المحكمة الدولية لكشف حقيقة اغتيال الرئيس رفيق الحريري من خلال السيطرة على المؤسسات الدستورية، وإما جر الموالاة الى الشارع لاغراق البلد في حرب تبدأ سياسية وتنتهي اهلية... وفي الحالين يتحقق الهدف.
امس، كانت تجربة تخصيبية لهذه المعادلة مهما اخذتنا التصريحات والتحليلات الى مكان آخر، تجربة كان من الطبيعي ان تحصل في ظل غياب المخارج نظرا الى غياب حرية القرار لدى تيارات اساسية في البلد من جهة وغياب الرؤية السياسية الموضوعية لدى تيارات اخرى من جهة ثانية. واذا كانت الغالبية الحاكمة عاجزة عن مساعدة المعارضة على الخروج من الشارع والدخول الى المؤسسات بشكل متوازن، فيمكنها على الاقل ان تساعد نفسها في النظر الى طبيعة الامور وحقيقة المخططات بشكل افضل... يمكنها ان تنأى بنفسها عن الشارع مهما كانت الاثمان السياسية باهظة.
لم ينجح احد امس، لا المعارضة التي كان يصح اطلاق اي وصف على تحركها الا وصف الاضراب، ولا السلطة التي انكشف تصرفها على ثغرات غير بسيطة... كانت السلطة في مواقع كثيرة اقرب الى الاضراب، وكانت المعارضة في مواقع ميدانية اقرب الى السلطة، وكان quot;المايستروquot; الحقيقي اقرب من اي وقت مضى... من تحقيق اهدافه.











التعليقات