قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

23 يناير 2007

خيري منصور


أحياناً يثنينا عن ذكر بعض المواقف المتعلقة بشخصيات عامة، ومنها سياسية، ذلك القول المأثور عن الرجل الذي يكذب لأنه تغرب أو لأن من يتحدث عنهم قد رحلوا!

لكن للضرورة أحكاماً كما يقال، فقبل ثلاثين عاماً زرت مع الصديقين موفق خضر وهو كاتب عراقي وغالب هلسا وهو كاتب أردني علي صالح السعدي في منزله بمنطقة المنصور في بغداد، وكان ما أثار فضولي للمشاركة في هذه الزيارة ما سمعته وأنا طالب في جامعة القاهرة أيام السعدي في مصر، والإشاعات التي تداولها خصومه عن لياليه، وكان السعدي الذي عمل رئيساً لوزراء العراق في فترة من أحرج الفترات السياسية وهي ما يسمى فترة الحرس القومي عام 1963 متزوجاً من السيدة هناء العمري التي أذاعت أول بيان للثورة بصوتها.

كان السعدي يسعل طوال الوقت، ولم أر في حياتي غليوناً بحجم غليونه الذي كان ينفث منه الدخان كما لو كان الدخان يتصاعد من قدر على النار، ولأنني كنت الأصغر سناً من صديقيّ فقد تأخرت أسئلتي للرئيس السابق والسياسي المتقاعد في منزله، وأول ما خطر ببالي أن أسأل عنه هو غلاف مجلة ldquo;الأسبوع العربيrdquo; الذي كان ذات يوم يحمل صورته، وهو جالس في أحد مقاهي مدريد، وأذكر أن الصحافي الذي أجرى معه الحوار سأله عن ثورة البعث عام ،1963 وقال: إن هناك من يقولون إنكم وصلتم إلى السلطة في قطار أمريكي.

وعلى الفور تعمقت التجاعيد في جبين السعدي وظننت أنه غضب من هذا الاستذكار لكنه مضطر للصمت، لأننا في بيته ولأسباب تخص التقاليد التي كان السعدي يتمرد عليها أحياناً، لكنه سرعان ما يعود.

ولم يدم تقطيب الجبين سوى لحظات، أعقبتها ضحكة مجلجلة يقاطعها السعال من السعدي.. وقال إن من يظن أننا وصلنا إلى السلطة على متن قطار سواء كان أمريكياً أو غير ذلك هو شخص ساذج، فنحن على الأرجح وصلنا بالطائرة، وطلب منا السعدي أن نلتزم بما سماه المجالس أمانات.. وثمة كلام ليس للنشر.

ومنذ ثلاثين عاماً مر العراق بمحطات عديدة صفق له البعض وشجب مواقف نظامه آخرون، لكن المشهد كان ملتبساً، والصحافي العربي الذي أجرى مع صدام حسين آخر حوار في مجلته قبيل غزو الكويت، قال بعد أربع وعشرين ساعة فقط عكس كل ما سمعه الناس منه لعدة عقود عن التكريتي الذي ورث عن صلاح الدين عبء تحرير القدس.

كان العراق خلال تلك المحطات التي مر ببعضها القطار.. ومكث الناس أعواماً في غيرها محرومين حتى من سماع صفيره.. له سطح وباطن ولم يكن يخطر ببال العديد من المراقبين أن هناك مكبوتات تتنامى، وأن لحظة افتراق مأساوية تتربص بشعب عريق.

إن لدينا كعرب الآن سبعين عراقاً.. تماماً كما كان لنا ذات تناصر مذهبي سبعون فرقة جميعها مرشحة للنار إلا واحدة هي الناجية.

سبعون طرفاً بينهم الإثني والجنرال واللص والسمسار، كل طرف منهم يزعم أن العراق عراقه.

فهل هو عراق أنجلوساكسوني أم عراق إيراني أم عراق يتمطى وهو ينزف على خريطة بين نارين ونهرين من الدم بانتظار السكين؟

إن أقل ما يمكن أن نقول هو حرام عليكم وحرام علينا وحرام عليهم أن يتحول العراق إلى كعكة مغطاة بطبقة من الدم المتخثر.

إن من يقبلون بشطر الصبي إلى نصفين ليسوا من أهله، فالعراق واحد وليس سبعين عراقاً كلها للنار والدمار، ومن يثقب السفينة تحت مقعده سيغرق كل من فيها.