عبد الرحمن الراشد


هي نفس العقلية التي تلاحق الكتب وتترك الفكرة طليقة. كتاب المفكر الإسلامي محمد عمارة جرى حرقه رسميا في مصر وسط تظاهرة كلامية ضده لأنه تضمن إباحة لدم المسيحيين، وفي مصر نحو ثمانية ملايين مواطن مسيحي تعرضت دورهم سابقا للاستهداف من قبل متطرفين. ووجهة نظر المسؤولين وقطاع كبير من العاملين في القطاع الثقافي أن الكتاب يحرض على الفتنة والقتل ولا حلَّ إلا بحرقه وكل ما يدعو للفتنة الداخلية.

ولا خلاف معهم على ضرورة محاربة الفكر ودعاة التطرف الذين أحدثوا بيننا اكبر فتنة منذ الفتنة الكبرى قبل ألف وأربعمائة سنة. لكن إحراق الكتب عمل متطرف في حد ذاته، عدا عن أن نتائجه متواضعة لا تؤثر على عموم الساحة. فالكتب الفكرية، بخلاف كتب الطبخ والفن، لا تبيع عادة إلا بضع مئات، ويقرأها غالبا نخبة الناس واقلهم تأثرا بالتطرف، وثالثا تؤسس مصادرة الكتب وإحراقها إلى قاعدة الحجْر على الفكر العام الذي هو في أصله مطلب للمتطرفين. وفي الوقت الذي يحرق فيه كتاب عمارة تحتفل السوق الثقافية العربية هذا الأسبوع بالإفراج عن رواية laquo;أولاد حارتناraquo; لنجيب محفوظ، التي منعت أربعين سنة للسبب إياه مع أنها عمل أدبي.

أما المؤلف نفسه فقد تراجع واعتذر وشرح موقفه الرافض لما تضمنه كتابه من نقل فيه دعوة للقتل، ولم يعد هناك من يستحق العقاب لا الكتاب ولا الكاتب. وإذا كان إعدام الكتاب يعني منع ألف قارئ من الإطلاع عليه، فان الساحة مفتوحة للمواقع الالكترونية التي يسيطر عليها متطرفون وتستهدف آلاف الشباب تدعو بشكل صريح للقتل ضد المسيحيين والأقليات بشكل علني وأمام أنظار الحكومات التي تسمح بها بلا حياء.

وككل الكتب التي أحرقت في الماضي، فان إعدام كتاب عمارة يعبر عن انتصار بين المثقفين ضد بعضهم البعض والإعلان عن سياسة رفض الأقلام المتشددة، وفيه تعبير عن التضامن مع الأقلية القبطية التي تعرضت في سنوات الاضطراب الفكري إلى الاستعداء وامتدت إليها أيدي العنف أيضا. والأقباط ليسوا الهدف الأكبر للمتطرفين بدليل أن معظم عمليات الإرهاب في المنطقة استهدفت دور عبادة إسلامية ومفكرين مسلمين ووصلت إلى مكة نفسها. فنحن نعيش مرحلة ظلامية تستهدف المسالمين في المجتمع، وبالتالي فان تصويرها بين متطرفين إسلاميين ضد أقباط مصريين ليست دقيقة، وان كانت صحيحة في قضية كتاب عمارة هذا.

وإذا وجدت رغبة في استئصال التطرف، فان ميدان المواجهة واسع، حيث ان الحركات المتطرفة تسيطر على وسائل اتصال شعبية، وتسعى وراء العامة من الناس، يتصيدها المتطرفون في المدارس والمساجد والمواقع الالكترونية والرسائل الهاتفية وغيرها. أما الإعلام النخبوي كالكتب والصحف فليس مصدرا للشر، بل ميدان ضروري لعموم الثقافة وللنقاش، حتى ولو جاء في أقبح صوره، كما رأينا في اقتباسات الدكتور عمارة التي أقامت الدنيا.

[email protected]