قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الجمعة 26 يناير 2007

سعد محيو

اليساريون الغربيون يبدون متفائلين ومتشائمين في آن إزاء احتمال بروز أوروبا الموحدة في وقت ما من القرن الحادي والعشرين، كقوة معادلة لفوضى النظام العالمي الأمريكي، جنباً إلى جنب مع الصين ودول العالم الثالث.

أسباب الفرح معروفة: نجاح التجربة الفريدة التي اخترعتها أوروبا بمداواة الحروب القومية- الايديولوجية (التي أحرقتها طيلة خمسة قرون) بسلام التجارة- الاقتصاد. إنهاء تقسيمات الحرب الباردة. انتصار الديمقراطية والليبرالية. سيادة قيم القانون الدولي، وترسيخ مفهموم البحبوحة الاقتصادية المتبادلة.

أما التشاؤم فناجم عن القلق الاشتراكي من بروز أباطرة رأسماليين جدد في برلين وباريس يمسكون بخناق بروكسل الاتحادية، ومن احتمال ldquo;تآمرrdquo; الولايات المتحدة على أوروبا لإبقائها قزما سياسيا برغم كونها عملاقاً اقتصادياً.

هذه العوامل تلعب دوراً كبيراً في مزج أحاسيس الفرح بالقلق، ومشاعر الإنجاز بشعائر الإحباط. لكن، وكيفما جرت الامور، وسواء تحققت هذه المخاوف أو أثبتت أنها مجرد خيالات مجنّحة، لا مناص من الاعتراف بأن أوروبا عبرت نهر الروبيكون في العديد من المجالات:

فهي أثبتت بالملموس ان ldquo;الجغرافيا الاقتصاديةrdquo; قادرة على تغيير التاريخ، مهما كان دموياً وعنيفاً. وهي أكّدت ان مفهوم الدولة الامة القومية بدأ بالفعل (مع العولمة) رحلته التاريخية الى متاحف التاريخ. وان حقبة ldquo;ما بعد الحداثةrdquo; باتت في أمر اليوم، وهي تنسف كل ساعة وكل لحظة مفاهيم الحداثة المتعلقة بالسيادة القومية، والحدود، والتراث التاريخي ldquo;القبائليrdquo;، ومبدأ القوة، وموازين القوى.

والاهم من هذا وذاك، ان أوروبا بدأت رويداً رويداً تشعر بأوروبيتها، خاصة في مواجهة شريكتها في الحضارة الغربية: الولايات المتحدة.

هنا، ومع هذه النقطة الاخيرة، يعود السؤال الكبير ليطل برأسه مجدداً: كيف ستتصرف أمريكا إزاء هذه الأوربة المتزايدة لأوروبا؟.

المهم في هذا السؤال ليس أبعاده الاستراتيجية والسياسية والعسكرية، على خطورتها بالطبع، بل أطره الحضارية التي تضعنا وجها لوجه أمام نبوءتين متناقضتين: الاولى للأمريكي صموئيل هانتينجتون، الذي توقع (وأمل) أن تتمكن اوروبا وأمريكا في النهاية من توحيد صفوفهما، للوقوف كجبهة حضارية واحدة في ساحة الوغى ضد الحضارات الشرقية الاسلامية والهندية والكونفوشيوسية واليابانية. والثانية للفرنسي جاك اتالي، الذي تنبأ بأن الفراق الكبير سيقع بين فلقتي الحضارة الغربية، وأنهما ستتسابقان قريباً على كسب ود الحضارات الشرقية الصاعدة في شرق وجنوب آسيا.

أي النبوءتين الاقرب الى التحقق الآن؟.

كل الدلائل تدل على ان الظفر سيكون حليف جاك. وكل الدلائل تكاد تجزم بأن نداءات صموئيل لوحدة الحضارة الغربية، ستذروها ريح الشرق التي تلفح بقوة الآن وجه أمريكا والعالم.

وبرغم أن هذا لن يحدث غداً، وبرغم أن اليساريين على حق حين يشعرون بالخوف والترقب، إلا أنه في وسعهم تغليب الفرح على ما عداه ولو مؤقتا. لماذا؟ لسبب بسيط: كلما ازداد الاوروبيون تأورباً، ابتعدوا عن أمريكا واقتربوا من آسيا.