29 يناير 2007

خالد الحروب

يوماً إثر يوم تتسع رقعة الخلاف الفلسطيني الداخلي بما يتجاوز قدرة الفلسطينيين على حله بمفردهم. وفي هذا الخلاف يتفوق الحس الفصائلي والدفاع عن المصالح الحزبية بما لا يوصف على الحس بالمسؤولية الوطنية والحس بضرورة الدفاع عن مصالح الشعب الفلسطيني وحقوقه. وربما لم يمر الفلسطينيون في نصف القرن الأخير بمرحلة تشهد فقدان البوصلة الوطنية بالشكل الفاضح الذي نشهده الآن. كما لم يصل مقدار الإحباط الفلسطيني الشعبي والعربي الشعبي من القيادات الفلسطينية كما هو واصل الآن. كل ذلك على مرأى ومسمع ورضا واغتباط إسرائيل التي تؤكد للعالم أن ما كانت تقوله دوماً عن عدم أهلية الفلسطينيين لحكم أنفسهم يتجسد الآن واقعاً على الأرض. إذ كلما أخلت لهم قطعة من الأرض, مثلما انسحبت من غزة, فإنهم يتكالبون عليها ويتعاملون معها ومع بعضهم بعضاً تعامل العصابات وقطاع الطرق.
إضافة إلى إسرائيل النشطة في توفير أفضل الأجواء لتسعير الخلاف الفلسطيني وصولاً إلى الحرب الأهلية الشاملة, هناك تدخلات الأطراف الدولية والإقليمية سواء الولايات المتحدة أم أوروبا أم إيران التي تساهم في شق الفلسطينيين إلى معسكرين، ويقوي كل طرف من تلك الأطراف هذا الجانب الفلسطيني على حساب ذلك الجانب. وكل هذا يحدث تحت الشمس وليس في الغرف المغلقة، ولم تعد هناك حاجة لمؤامرات أو مخططات معقدة, فالأمور تحدث فوق السطح، يراها الجميع ويخضع لإملاءاتها الجميع.
الأنانية الفصائلية الفلسطينية أفشلت وساطات مصر والأردن التي حاولت وقف التدهور وقطع الطريق على الحرب الأهلية. وجزء من هذا الفشل يعود إلى بقايا شكوك تاريخية إزاء الأهداف المصرية أو الأردنية، والمبالغة في تضخيم تلك الشكوك. وربما كانت إحدى أهم الفرص المواتية للجم الجنون الفلسطيني الحالي هي الدعوة التي وجهها الأردن إلى الرئيس الفلسطيني عباس ورئيس الوزراء هنية للاجتماع في عمان، ولرعاية مشروع مصالحة واتفاق وطني. لكن حسابات التكتيك الفصائلي تغلبت على الشعور بالمسؤولية الوطنية، ولم يتم اللقاء.
ربما استنفد الفلسطينيون كل الفرص ولم يبقَ لهم إلا الصدر الخليجي كي يأووا إليه طالبين التدخل المنصف، والضغط على طرفي الصراع الفلسطيني، لوقف مآلات الحرب الأهلية التي صارت أقرب كثيراً مما توقع الجميع. للخليج أيادي خير على فلسطين والقضية الفلسطينية والتنظيمات الفلسطينية يقدرها كل منصف. ففي الخليج تأسست الأنوية القيادية الداعمة للتنظيمات الفلسطينية الأهم: quot;فتحquot; وquot;حماسquot; في مراحل متفاوتة. والمذكرات التي كتبها (وسيكتبها) قادة فلسطينيون حول مراحل التأسيس تشير إلى الأدوار المركزية والحساسة التي لعبتها دول وقيادات خليجية في دعم وتسهيل إنشاء تلك التنظيمات. سياسياً ودبلوماسياً وفرت المظلة الخليجية دوماً بيئة حيوية وداعمة للفلسطينيين. أما مالياً فقد كان الخليج هو مصدر الدعم الأول والمباشر لمنظمة التحرير وquot;حماسquot; بشكل لا جدال فيه. هذا كله فضلاً عن احتضان مئات الألوف من الفلسطينيين في دول الخليج وعملهم فيها مما وفر دعماً مالياً لأهاليهم وعوائلهم الممتدة داخل فلسطين. والسياسة والدعم الخليجي لفلسطين والفلسطينيين طوال عقود لم يتسمم بأجندات سياسية وحزبية، أو برغبة السيطرة أو إنشاء تنظيمات وفصائل موالية لها، كما كان ديدن كل الدول quot;الثوريةquot; التي تدخلت في الشؤون الفلسطينية فخرَّبت أكثر مما دعمت.
كل ذلك يوفر عناصر مهمة تمكن دول الخليج وتدفعها للقيام بدور أكثر نشاطاً على الساحة الفلسطينية وبين الفلسطينيين. والثقل المعنوي والسياسي والمادي للخليج سيدفع القيادات الفلسطينية لقبول دور خليجي مؤثر, وصار اليوم مطلوباً كما لم يكن مطلوباً من قبل. ومن منطلق وجهة نظر المصالح الخليجية البحتة, فإن هذا الدور أصبح مسألة حيوية لمعادلة الدور الإيراني النشط في الساحة الفلسطينية. وإذا كانت الشكوى الخليجية إزاء اقتراب أو تحالف حكومة quot;حماسquot; مع إيران وما قد يترتب عليه من تقوية النفوذ الإيراني في المنطقة شكوى في محلها, فإن التردد في اتخاذ موقف يحتضن تلك الحكومة ويقربها من الخليج ربما كان سبباً في دفع quot;حماسquot; باتجاه الحضن الإيراني.
المهم الآن هو بلورة سياسة خليجية ودور فعال يحاول إطفاء الحريق الفلسطيني أولاً, ويعادل الأدوار الإقليمية الأخرى. لكن حتى يتبلور مثل هذا الدور بشكل حقيقي وناجح فإن له اشتراطات أيضاً. أولها تنامي قناعة عند صناع القرار في دول الخليج بأهمية تغير منطق الدعم غير التدخلي للقضية الفلسطينية إلى منطق الدعم التدخلي (وهو يصب في مصلحة الفلسطينيين بوضع اشتراطات توحيدية عليهم من ناحية, ويصب في مصلحة الخليج لناحية تحجيم التدخل الإيراني). وثاني تلك الاشتراطات أن يتبلور الدور الجديد عن طريق وباسم مجلس التعاون الخليجي, وكسياسة خليجية عامة تظهر للفلسطينيين وللأطراف المختلفة تصميماً خليجياً موحداً على تبني سياسة نشطة جديدة إزاء فلسطين والفلسطينيين وشؤونهم التي ما عادوا يستطيعون إدارتها من دون تدخل أشقائهم. الأدوار التي تقوم بها الدول الخليجية منفردة في محاولة التأثير على الأحداث الفلسطينية وخاصة على صعيد الوساطة وجمع الفرقاء المتخاصمين هنا أو هناك مهمة, لكن تأثيرها سيظل محدوداً. فهي من ناحية غير متواصلة وتندرج في سياق تدخل فرق الإطفاء التي تهب في مناسبات متفرقة لمحاولة إيقاف تدهور هنا أو هناك, وسرعان ما تتوقف إما يأساً أو إحباطاً أو بسبب الانشغال بملفات أخرى. وهي من ناحية ثانية قد تندرج في سياق تنافس خليجي- خليجي لتسجيل نقاط ضد هذا الطرف أو ذاك, وتثير من حولها بعض الشكوك. وبقدر ما يظل تدخل أي دولة خليجية منفردة في محاولة تنقية الأجواء الفلسطينية مشكوراً فإنه لا يلغي فكرة المقارنة بما كانت تقوم به الدول quot;الثوريةquot; في السابق كلاً على حدة ولأهداف متباينة. ولهذا السبب ولقطع الطريق على مثل هذه التنافسات التي جُربت في الساحة الفلسطينية والإقليمية فإن الأجدى والأكثر فعالية هو اتخاذ موقف يليه نشاط مبرمج على مستوى مجلس التعاون الخليجي بحيث لا يتم تأويله أو إساءة فهمة.