29 يناير 2007


د. عبدالله السويجي

تركت النزاعات المذهبية والاجتهادات العقائدية والانحيازات القبلية والحقب الاستعمارية والإقطاعية والانتماءات الخارجية والاحتلال الصهيوني لفلسطين، والجمهوريات الملكية، وتكريس الذكورية المتحجرة، التي لم تحل ولم يتم الوصول إلى صيغة توافقية بشأن ترتيب إيقاعاتها اليومية، وعدم رسم حدود واضحة بينها، وعدم إزالة آثارها السلبية، والسكوت على تراكمها عبر آلاف السنين، تركت العالم العربي رهين خلل اجتماعي وسياسي وفوضى عقائدية وغياب للقوانين وفجوات بين الماضي والحاضر، وبين الحاضر والمستقبل. كما تركته يحيا ضبابية عجائبية في استراتيجياته وخططه التنموية، وغموضا في علاقاته في إطار البلد الواحد، وفي إطار العلاقات الإقليمية، وكذلك في إطار علاقاته مع العالم، بحضاراته وثقافاته وحراكه وعلومه وخططه ونواياه. وبالتالي فإن ما حدث من انقلابات في الوطن العربي للوصول إلى السلطة، سلمية كانت أو دموية، وتحكّم القوى الاستخباراتية بدقائق الحياة اليومية للناس، وتكميم الأفواه، وما حدث من تهميش للطاقات المعرفية والإبداعية، وعدم استغلال القدرات العلمية، وعدم الاستفادة من إنجازات الآخر ومن تجاربه في تسيير الحياة العامة، وتضخم ظاهرة هجرة العقول العربية، أدى إلى الواقع الذي نعيشه، وأقل ما يوصف بأنه ارتهان للآخرين، والحياة على هامش الحضارة المعاصرة والانجازات البشرية في كل نواحي الحياة.

وحول العالم العربي إلى سوق استهلاكية لكل ما ينتج في العالم من صناعات ومواد غذائية وملابس وإكسسوارات وآلات، وإلكترونيات، وهذه الأخيرة، أحكمت السيطرة المباشرة على العالم العربي، وجعلته سجينا في غرفة انفرادية، أو إنسانا يحيا صناعيا على الأنابيب، فلو أوقفت الشركات الإلكترونية العملاقة الخدمة عن الوطن العربي لأصيبت كل تعاملاته بالشلل، ولفقد كل ثروته وأسهمه واستثماراته، يحدث كل هذا، لأن العالم العربي بكل بساطة، لم يدخل مرحلة الإنتاج، التي تجعله صاحب سيادة على قراره وحاضره ومستقبله ومسيرة تنميته، والإنتاج لا يقتصر على الصناعة، ولكن أكثر ما يلامس ابتكار أساليب حياة منتجة ثقافيا وصناعيا واجتماعيا واقتصاديا وغيرها.

لماذا كل هذه الانكسارات ومستويات التخلف في إدارة الحياة الداخلية والخارجية؟ سؤال طرحه كثيرون، وأجاب عنه كثيرون، وإجابتنا لن نجلبها من الفضاء الخارجي، ولن نستوردها، وإنما هي مزروعة بين ظهرانينا منذ أكثر من 1400 سنة، كانوا يطلقون عليهاrdquo;الشورىrdquo;، ويطلقون عليها حاليا ldquo;الديمقراطيةrdquo;.

مع كل الذين يشعرون في هذه اللحظة بالاستهزاء والسخرية من هذه الكلمة أي (الديمقراطية)، لأنها تكررت على لسان رجل أغرق العالم في فوضى ودمار قاتل، وهو من يحكم الولايات المتحدة حاليا، ولكي نكون منصفين، فإن إدارته هي التي تسعى إلى خلق المزيد من الفوضى، بكل بساطة، لأنها دولة رأسمالية احتكارية تبحث عن أسواق لترويج منتجاتها من السلاح والدواء والصناعات الخفيفة والثقيلة، والغاية تبرر الوسيلة. ولكن إساءة استخدام هذه الكلمة وإساءة تطبيقها، وإشهارها كقطعة حلوى لإغواء طفل، وكعصا لتهديد أنظمة، لا تعني أن هذه الكلمة هي كلمة تافهة أو سيئة السمعة أو لا تجدي ممارستها، وإنما يعني أن تطبيقها كان سيئا، شأنها شأن كلمة الشورى، كثيرون لديهم مجالس شورى، لكن قليلين يستعينون بشخصيات على قدر عال من الجرأة والإحساس بالمسؤولية ليكونوا ضمن هذه المجالس، فهي تشبه أن يكون الأب هو رئيس مجلس الشورى، وعضوية الأبناء والبنات والسيدة الزوجة، وكذلك الديمقراطية التي تمارس حاليا، هي اختيار المقربين من الأقارب والأصدقاء، أما الاختيار العلمي الموضوعي والحقيقي، فإنه لم يحدث حتى الآن في الوطن العربي، وكثير من مناطق العالم.

إن نظرة على الوطن العربي، سنجد أن غياب ممارسة الديمقراطية الحقيقية أو الشورى الحقيقية أو المشاركة الحقيقية أو التمثيل الحقيقي، في مناطقه الساخنة، التي شهدت وتشهد مواجهات دامية كما تشهد ما يشبه الحروب الأهلية، هو الذي أدى إلى هذا الواقع المزري، إن كانت نتيجة لحقب من الدكتاتورية العفنة، أو لحقب تالية من تكريس المذهبية والعقائدية، أو الانتماء الخارجي على حساب مصلحة الشعوب. وهناك أمثلة واضحة ودامغة على ما نقول، فغياب الديمقراطية عن بلد مثل العراق، الذي يغرق الآن في حرب أهلية طاحنة تودي بحياة المئات من الناس يوميا، فغيابها على مدى أكثر من 30 سنة من حكم حزب واحد ورجل واحد وعائلة واحدة، أدى في النهاية إلى وضع مأساوي، تفرعت عنه مآس عدة، والسكوت طوال تلك الفترة على الحساسيات المذهبية، ومصادرة حقوق الأقليات، واتخاذ القرارات السيئة، وتكريس الذات وتضخيمها وعبادتها، وتسويقها على أنها خالدة مخلدة، أدت إلى الواقع المزري الذي يعيشه العراق، إضافة إلى الانتماءات الخارجية والصراعات المذهبية، وتحكم أصحاب العقول المريضة بالشأن اليومي.

ومن جهة ثانية، ألا يمكن القول، إن حقب الإقطاعية التي سادت الحياة في فلسطين، والتي تلتها حركات قادتها شخصيات مقفلة على ذاتها ثقافيا، إضافة إلى الجهل الذي أطبق على الناس لعشرات السنين، ثم إمساك مجموعة من الأشخاص بمصير الشعب الفلسطيني، قادته من هزيمة إلى أخرى. وكان السكوت على تلك الفترات والهزائم هو السبب في شرذمة الواقع الفلسطيني حاليا؟ ومن ناحية أخرى، أليس الوقوف ضد الديمقراطية التي أوصلت حركة حماس إلى السلطة، وعدم الاعتراف بها، هو الذي جعل الفلسطينيين يعيشون في حياة كلها جنازات ومظاهرات وفقر يومي لا يطيقه بشر؟

ولو أردنا السفر إلى إفريقيا، وما يعانيه السودان اليوم من تهديد لوحدته، ألا نستطيع القول إن الإبقاء على الوضع المتأزم اجتماعيا وعقائديا في مناطق السودان، وعدم ممارسة الديمقراطية بشكلها الصحيح على مدى سنوات طويلة قد تمتد إلى نصف قرن أو أكثر، ألا نستطيع القول إن ذلك الوضع هو المسؤول عن الخطر الذي يهدد السودان حاليا بالتقسيم؟ ولا يمكن القول إن إلغاء الانتخابات في الجزائر قبل نشوب الحرب الأهلية، هو الذي قاد إلى حمامات الدم والقتل والرعب والدمار. والشيء ذاته يمكن إطلاقه على الصومال الذي يعيش حياة قبائل تتقاتل يوميا، ويغذي صراعاتها تجار الأسلحة والاستخبارات الأجنبية، ويغذيها أكثر الإهمال الذي يتعرض له واقع الصومال المعقد الذي ترك من دون حل لعشرات السنين لتأتي إثيوبيا فتقدم الحل على ظهر دبابة أمريكية.

أما الوضع في لبنان، فهو الأكثر تعقيدا على الإطلاق، يدعون الديمقراطية ويمارسون الطائفية والتفرقة والانتماءات الخارجية منذ زمن، وواقعه نتيجة بقاء لبنان تحت إقطاعية استبدت به منذ عقود وحولت الشعب اللبناني إلى )رجال فلان وميليشيات علان(، حتى بات من المستحيل إيجاد حل لمشكلة لبنان بالأساليب التقليدية المعروفة.

بسبب غياب الديمقراطية والجهل والإقطاعية والوطنية، وكلها كلمات مرتبطة ارتباطا وشائجيا مع بعضها بعضاً، ضاعت فلسطين، ويمعن قادتها في ضياعها حاليا، كما يتعرض لبنان للخراب، والعراق والسودان للتقسيم، والقادم أسوأ مما يظن أي متشائم في الوطن العربي، لأن المستقبل ما هو إلا نتاج الحاضر، الذي هو محصلة الماضي، وبالتالي، فإن العصا السحرية لن تتوفر إلا بتوفر الطاقة السحرية التي يجب أن تمارس، والطاقة السحرية هي في التفكير بكل ما يحدث داخليا وخارجيا وعلى مستوى الصعد كلها، فترك القضية الفلسطينية من دون حل خلق احتلالا للجولان وسيناء ومناطق لبنانية، وترك العراق من دون حل سيخلق مشاكل لدول الجوار، وسيتم تصدير الفوضى عبر الحدود أو بالعدوى، وترك الأمور في الصومال سيجعل الفوضى تمتد إلى القرن الإفريقي، ونفس الشيء في الجزائر وغيرها.