قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


د. عبدالحميد الأنصاري


احتضنت العاصمة القطرية الدوحة الاسبوع الماضي 4 فعاليات دولية هامة ومتنوعة: فكرية وثقافية ودينية واقتصادية, هي مؤتمر الدوحة لحوار المذاهب الاسلامية, وندوة التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيم, وندوة منتدى الفكر العربي حول دولة السلطة وسلطة الدولة ومنتدى سيناريوهات التخطيط واستشراف مستقبل التعليم والطاقة.
واستقطبت هذه الفعاليات, صفوة من كبار المفكرين والعلماء والباحثين كما حضرها بعض الشخصيات السياسية البارزة, في مقدمتهم الأمير الحسن بن طلال (الأمير المثقف), وتناولت هذه اللقاءات مختلف القضايا الفكرية والسياسية الراهنة, في فضاء نقدي شفاف, مفتوح على كل الاجتهادات والرؤى دون أية خطوط حمراء تحد من حرية المداولات والطروحات مهما اشتدت سخونتها.
وبمناسبة مؤتمر الدوحة لحوار المذاهب الاسلامية فالملاحظ خلال السنوات الثلاث الاخيرة تصاعد الاهتمام بالتقارب بين المذاهب الاسلامية بهدف تفعيل القواسم المشتركة بين هذه المذاهب وكذلك تفعيلها بين الاديان السماوية, وقد حضرت شخصيا العديد من هذه المؤتمرات ولكن لابد من المصارحة فإن جدوى هذه المؤتمرات قليلة حتى الآن لأن المؤتمرين يأتون وهدف كل طرف افحام الخصم الديني او المذهبي ومحاولة الانتصار عليه والدفاع عن معتقده ومذهبه ومفاهيمه واجتهاداته في مواجهة الخصم, وهناك من يأتي وهدفه جر المؤتمر لساحة المعترك السياسي وتوظيفه للهجوم على سياسات ودول وانظمة, او تصفية حسابات مذهبية تاريخية وبدلاً من ان تحقق تلك المؤتمرات, اهدافها في تحقيق فهم افضل للذات وللآخر المختلف, وتفعيل المشترك المذهبي والديني وتحقيق التعايش المشترك, ومحاولة ازالة الصورة السلبية النمطية لكل طرف تجاه الاخر, فإن المؤتمرين ينغصون ويعودون الى دولهم وهم اكثر تباعدا وشقاقا!! المؤتمرات الحوارية ضرورية وهي مجدية اذا اتى كل طرف وعنده الاستعداد لسماع ما عند الآخر من مظلمة او شكوى من غير تعصب وتشنج ومكابرة, وبأن يتحلى كل طرف بشجاعة الاعتراف بأخطائه تجاه الآخر, ثم - أيضاً - شجاعة الاعتذار, ثم وهو - الاهم - ترجمة التوصيات الى سياسات عملية وخطوات ملموسة على ارض الواقع وعلاجات فعلية على كافة المستويات السياسية والقانونية والتعليمية, بحيث يحظى اتباع المذاهب والاديان المختلفة بمعاملة عادلة وفرص متكافئة في الخطاب التعليمي والاعلامي والتشريعي والديني وفي مجال المناصب القيادية, لأن الاقليات المذهبية والدينية والقومية في مجتمعاتنا لا تزال تعاني تمييزاً وتهميشاً في العديد من المناصب القيادية والتوجيهية وفي مجال الخطاب الديني والتعليمي ويجب ان يصاحب كل ذلك مراجعة واعية لمضامين المناهج الدراسية والاعلامية والدينية لإزالة ثقافة التعصب والكراهية تجاه عقائد الآخرين ومذاهبهم وقومياتهم.
ان ثقافة الكراهية التي من ابرز تجلياتها: التطرف والتعصب والطائفية والقبلية والتكفير والتخوين, هي اصل الداء. وان ثقافة الكراهية هي الاساس في ترسيخ واستدامة الاستبداد سواء على المستوى السياسي او الاجتماعي كنظام تسلطي في التربة العربية على امتداد قرون مظلمة عديدة سادها نمط الخلافة التي لم تنجح مطلقا في تحقيق مبدأ العدل الذي امر به الاسلام اذا استثنينا فترة الخلفاء الراشدين.
لقد كانت الحصيلة المرة لحكم الخلافة الطويل هي الصراعات المذهبية والطائفية والسياسية والعشائرية وتمزق دولة الخلافة الى دويلات متناحرة ومجازر دموية ضد الخصوم السياسيين وضعف عام وسلبية وتخلف شمل جميع الاوضاع ومصادرة لحريات الشعوب وانتهاكاً للكرامات.
وانطلاقا من هذه القناعة كانت لي مساهمة بورقة عن raquo;الاستبداد وجذور ثقافة الكراهيةlaquo; في ندوة هامة, نظمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث في قطر, بعنوان raquo;التحولات المجتمعية وجدلية الثقافة والقيمlaquo; وأحاول في هذه المقالة تلخيص بعض ما جاء فيها.
الاستبداد في اللغة هو الانفراد بالامر, وهو - ايضا - التصرف في شأن الغير من غير مشاورة, وهو بهذا المعنى يشمل صورا عديدة من التسلط المجتمعي فلا يقتصر على استبداد الحاكم بشعبه, بل ايضا استبداد الاب والزوج والمعلم والشيخ وزعيم الحزب والمثقف بالآخرين. ورغم مشاريع الاصلاح التي بدأت قبل اكثر من قرن ونصف وحاولت تشخيص وتشريح جرثومة الاستبداد المزمنة في الارض العربية, وطرحت التساؤل النهضوي الكبير: لماذا تقدم الآخرون وتخلفنا?! الا ان الاستبداد صمد في وجه مشاريع الاصلاح القديمة مثلما صمد في وجه مشاريع الاصلاح الحديثة عقب الزلزال الحادي عشر من سبتمبر والتي اثمرت قشورا اصلاحية خارجية.
وكانت الانظمة العربية اكثر ذكاء ومراوغة اذ التفت على جميع مطالب الاصلاح الحقيقية!! وقد طرحت تساؤلاً: لماذا لم تنجح مشاريع الاصلاح القديمة والحديثة?! وكان جوابي, بسبب افتقاد الرؤية المتوازنة, لأن المشروع الاصلاحي القديم ارتكز على الاصلاح السياسي بمقولة raquo;إذا صلح الحاكم صلحت الرعيةlaquo; وتجاهل الاصلاح الاجتماعي والمجتمعي (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) فدار الاصلاحيون في فلك السلطة تأييداً او معارضة, فلا صلح الحاكم ولا صلح المحكوم.
اما في المشروع الاصلاحي الجديد فتم تضخيم عامل الصراع الخارجي والمواجهة والجهاد ضد الخارج على حساب الاصلاح الداخلي والجهاد ضد التخلف والعجز وهو الجهاد الاكبر, وهكذا استطاع حكم الفرد ان يصمد رغم كل مظاهر التحديث, ولكن ما علاقة الاستبداد بثقافة الكراهية? العلاقة تكافلية, فالاستبداد لكي يستمر بحاجة الى ثقافة تبرره, وهذا ما يفعله بعض كبار مثقفينا الذين لازالوا يبررون خطايا وآثام حكام مستبدين قهروا شعوبهم وقادوهم للهزائم, كما ان ثقافة الكراهية تجد في مناخ الاستبداد مجالا للانتشار, وما الشباب الذي يفجر نفسه الا ابناء لتلك الثقافة. واما روافد ثقافة الكراهية فعديدة: التعصب والاقصاء والخطاب التعليمي الاحادي, والخطاب الاعلامي التحريضي الذي يضخم سلبيات الآخر ويتجاهل سلبياته, والخطاب الديني المذهبي والطائفي الذي يرى اي نقد للتاريخ نقدا للدين واي نقد لرمز ديني نقدا للقدسية!! والخطاب الايدلوجي الذي يلقي اللوم على الآخر, والتوظيف السياسي للدين, واستغلال منابر بيوت الله للاجندة السياسية والخطاب التشريعي الذي يميز ضد المرأة والأقليات.
ما العمل لتجاوز وتفكيك ثقافة الكراهية? بتفعيل خمسة مفاصل مجتمعية هي: التعليمي بتبني المنهج النقدي والتربوي بترسيخ ثقافة الحوار والتسامح والديني بتعميق المشترك المذهبي والديني والاعلامي بترسيخ واشاعة مفهوم المواطنة, والتشريعي بمراعاة العدالة مع المرأة والاقليات.. ولعلنا نفلح في الاقلاع.

كاتب قطري