عبدالرحمن الراشد

لم يستغرق الأمر أكثر من ساعة من الاتصالات الهاتفية بين الرياض وطهران وبيروت، حتى توقفت المواجهة المحتومة في لبنان التي حاصرت العاصمة بالحرائق والحواجز الترابية، وتحولت إلى مواجهات بالرصاص، في بعضها.

ومع ان تلك الاتصالات ربما دللت على ان المعارك اللبنانية في حقيقتها مسرح عرائس، تدار من فوق أو توقف من الخارج، إلا أن المهم أنها أطفئت، حتى الآن. فكل ما يسهم في وقف التدحرج نحو الهاوية يظل عملا يستحق الشكر.

لكن الأمر أطول من مجرد ساعة اتصالات، بل هي عملية بناء علاقة بطيئة لسنوات بين ايران والسعودية، أدت أخيرا إلى مثل هذا التحرك المشترك، وأعطتنا البرهان على انه يمكن من خلال التعاون الاقليمي اطفاء الكثير من الحرائق. والعلاقة بدأت منذ عشر سنوات في اسلام اباد الباكستانية، عندما فاجأ العاهل السعودي الملك عبد الله الجميع بمساندته المطلب الايراني باستضافة القمة الاسلامية في وجه المقاطعة الكبيرة لطهران. عمليا منذ ذلك اليوم دخلنا تاريخا جديدا على مستوى المنطقة، لكن بطبيعة الظروف والنزاعات المستعرة، بقيت هناك شكوك على الجانبين مع خط هاتفي أحمر يستخدم عند الضرورة القصوى كما رأينا.

الايرانيون مهما اختلفنا معهم في قضايا خطيرة في فلسطين ولبنان والعراق، يتميزون بقدرتهم على الانضباط وعدم الانجراف وراء الأزمات، وعندهم مهارة الحساب السياسي التي تبقيهم دائما خارج مرمى النيران دون ان يكونوا بعيدين عنها أيضا.

وبالتأكيد العدو العاقل خير من الصديق الجاهل، وايران قطعا ليست بالعدو، لكنها دولة ذات حسابات لا تتفق دائما مع حساباتنا، ولها مصالح تريد ان تخدمها كدولة اقليمية كبيرة، وهو أمر لا خلاف عليه أيضا. وعندما تكون الصورة واضحة، وهي هنا ليست واضحة تماما بسبب التكتم الايراني المألوف، يمكن تحقيق علاقات محسوبة تؤدي اولا الى منع الحروب، التي قد تبدأ باشتباكات طلاب في كافتيريا، وتنفجر كحروب دول كبرى وربما عظمى، وثانيا تحقق توازنا طويل الأمد. وكما رأينا فقد حتمت حرائق شوارع بيروت الى الاستفادة من الجولة المكوكية لمسؤول الامن القومي الايراني لاريجاني، والاتصال الهاتفي الساخن السعودي بالقيادة في طهران، لامتحان جدية كلام ايران ووعدها بالتفاهم الايجابي.

النتيجة الايجابية تقود اليوم الى توسيع دائرة الحركة الى ما وراء ازمات الشوارع، الى القضايا الكبيرة التي باتت رهينة العلاقات السيئة، ووصلنا إلى مرحلة خطرة في النزاع الاقليمي بما لم نشهد له مثيل من قبل، حتى في زمن الحرب الباردة.

والتجربة الأخيرة في نزع الفتيل اثبتت ان دول المنطقة قادرة على حل مشكلاتها، متى ما توفرت النية الحسنة والإرادة الجادة والبناء السياسي بين الاطراف المختلفة على القضايا الرئيسية. وهذا أمل ملايين الناس في منطقتنا، من أجل أن نصل إلى معادلة سلام حقيقية يشترك فيها الجميع، وكل الحروب الماضية اثبتت شيئا واحدا فقط انها لم تحسم أي قضية بعد أن كلفت الكثير من الآلام.

[email protected]