30 يناير 2007

خيري منصور


بافلوف الروسي اهتدى الى ما سماه التعلم الشرطي من خلال العلاقة العضوية بين رنين الجرس المقترن بالطعام ولعاب الكلب، وكان قد لاحظ أن الرنين وحده حتى لو كان بلا أي طعام سيسيل اللعاب أيضاً، ولو الى حين.

لكن بافلوف الأمريكي ليس عالم نفس، بل هو سياسي بامتياز، وبرغماتي لا يؤمن بأي شيء ليس له مردود عملي وفوري، حتى إلقاء التحية والسلام لا معنى لهما إذا كانا بالمجان، وهناك مثل أمريكي غالباً ما يتذكره الدبلوماسيون الذين تعاملوا مع الولايات المتحدة، هو أنه ما من عشاء مجاني، وبالتالي ما من مصافحة لوجه الله تعالى، المرة الأولى التي تذكرت فيها بافلوف وهو يهاجر من قبره في روسيا الى واشنطن، كانت عندما وقف شيمون بيريز أمام الكونجرس وقال إن قبول الدولة العبرية بأي تفاوض مع العرب هو كرم وتفضُّل منها، لأنها منتصرة وبالتالي تستحق الأراضي التي احتلتها خلال حروب عدة وفقدت عدداً من أبنائها مقابل ذلك.

يومها، وقف أعضاء الكونجرس ثلاث دقائق وهم يصفقون بلا انقطاع، وتكرر الموقف مرات عدة، بحيث أصبح التصفيق مرتبطاً على نحو بافلوفي بذكر أية مفردة ذات علاقة باليهود أو الكيان الصهيوني.

وبالأمس، عندما وقف الرئيس بوش أمام الكونجرس ليلقي خطاب ldquo;حالة اتحادrdquo; أعرب عن فرحه الشخصي بأنه أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يبدأ خطابه بتوجيه التحية الى سيدة ترأس الكونجرس، فهذا كما يرى إنجاز حضاري وإنصاف أمريكي للمرأة.

ولو أحصينا عدد المرات التي نهض فيها نائب الرئيس تشيني ووزيرة الخارجية رايس وعدد من الجنرالات ولم يصفقوا لأشفقنا على أيديهم، بحيث يصعب عليهم استخدامها في اليوم التالي بلا قفازات، لكن أين تجلّى بافلوف في هذا التصفيق؟ وما هو الرنين الأعلى الذي استدعى كل ذلك الوقوف والحماس والتصفيق؟

واضح أن استخدام أي كلمة ذات علاقة بالإرهاب الذي منح جنسية عربية وإسلامية من دائرة الأحوال الحربية في واشنطن يستدعي الوقوف والتصفيق، فالشيعة والسنّة، كما قال الرئيس وجها عملة إرهابية واحدة من دون أن يحدد أية شيعة وأية سنّة؟ ولا يكفي بالطبع أن ترد كلمتا إيران وسوريا لفك الاشتباك وتبديد الالتباس في هذه المصطلحات، التي باتت بحاجة الى فقه أنجلوساكسوني يعيدها الى جذورها في الثقافة والحضارة والأيديولوجيا.

والبافلوفية السياسية الأمريكية تمددت خارج هذا النطاق، فهي أيضاً ثنائية العصا والجزرة في أدبيات الثواب والعقاب، والاعتدال والتطرف، والمدنية والهمجية.

لقد كان الرئيس بوش شغوفاً في استخدام مفردات تكرس مخاوف الأمريكيين من أي عدوان محتمل، فالحادي عشر من سبتمبر/ أيلول هو محور الخطاب التحذيري، والتحريضي الذي يعزف على وترين أحدهما اقتصادي أمريكي محلي، رغم أن له امتدادات خارج أمريكا، وفي البلدان المنهوبة التي تمتص الولايات المتحدة دمها ونخاعها وعرقها أيضاً.

الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول مناسبة بافلوفية أيضاً فما ان يرد هذا التاريخ في خطاب حتى يلقي بظلاله ودخانه على كل ما يعقبه، ويصبح من المتاح تمرير ما لا يمكن تمريره إلا من خلال هذا الإلحاح الدرامي.

لقد أعادت الولايات المتحدة إنتاج بافلوف الروسي لكن على طريقتها، وباعتباره منهجاً تجريبياً في التجهيل وليس في التعليم.

ويبدو أن ما قالته سيمون دو بوفوار ذات احتلال كهذا كان نبوءة لم يكذبها المستقبل، فقد قالت إن للحمقى معجبين بهم، وهم بالضرورة الأكثر حُمْقاً منهم.