2 فبراير2007
أبو خلدون
من طريف ما يروى عن الداعية الشيخ محمد متولي شعراوي أن منزله تعرض ذات يوم للسرقة، فتقدم بشكوى للشرطة، ولدى التحقيق اشتبه المحققون بأحد العاملين في المنزل، فأحالوه إلى المحكمة، وأمام القاضي، اعترف الرجل بجريمته، فاستعظم القاضي الأمر، ووبخ الجاني، وأغلظ له القول، وذكره بالمعاملة الكريمة التي يلقاها في منزل مستخدمه الرجل الصالح وقال له: ldquo;صدق من قال: اتق شر من أحسنت إليهrdquo;. فاستأذن الشيخ الشعراوي الذي كان يحضر الجلسة، وقال للقاضي: ldquo;أرجو يا صاحب الفضيلة أن تكمل هذا القول المأثورrdquo; فقال القاضي: ldquo;لا أرى له ما يكملهrdquo; فقال الشيخ: ldquo;بل إنه في الأصل: ldquo;اتق شر من أحسنت إليه بدوام الإحسانrdquo;.
والتسامح فطرة بشرية ملازمة لكينونتنا، والانتقام مناف لهذه الفطرة، والوسيلة الوحيدة لدفع الشر هي المزيد من الإحسان. وما أجمل أن تبدأ صباحك بالتسامح وغفران أخطاء الآخرين، ليصبح الكون في نظرك أكثر جمالا، وقلبك أكثر اتساعا. ويقول العلماء إن التسامح يعزز الطاقة الروحية في الجسم ويغمر القلب بالاطمئنان والسعادة، والكراهية تستنزف هذه الطاقة وتشوش عليها، تماما كما يحدث عندما تسلط جهاز تشويش قويا على رادار. وكل ابن آدم خطَّاء وينتظر منا أن نسامحه في لحظة ما، وقد كان فولتير يدعو إلى التسامح حتى إزاء ldquo;جنون الآخرينrdquo; ويقول: ldquo;إننا جميعا من نتاج ضعف، كلنا هشّون وميالون للخطأ، لذا دعونا نسامح بعضنا بعضاً، ونتسامح مع جنون بعضنا بعضاًrdquo;.
ويعتبر رينيه ديكارت فيلسوف الأخلاق والفضيلة في الغرب، ومع ذلك فإنه وجد نفسه بحاجة لمن يقول له: ldquo;إني سامحتكrdquo; عندما وشى بأصدقائه وأوقعهم في مشاكل، وعندما غرر بخادمته هيلانه وأنجب منها ابنة غير شرعية. وجان جاك روسو، الذي فتن الأجيال بكتابيه ldquo;العقد الاجتماعيrdquo; وrdquo;أميلrdquo; يطلب السماح في اعترافاته لأنه سرق الخمر من معلم النقش، وكذب بغير مبرر، وعمل الكثير مما ينافي التربية الصحيحة والأخلاق.
والتسامح مَلِك في زي رجل مسكين، والانتقام مسكين هزيل في زي عفريت، ومن يرفع راية الحب بين الناس يتبعه الناس، ومن يواجههم بالانتقام والكراهية ينفرون منه، وحلمك على السفيه يكثر أنصارك عليه، ومن لا يقابل الكلمة السيئة بالعفو يسمع غيرها كلمات، ويقال إن رجلا قدم إلى عمر بن عبد العزيز، الخليفة الخامس، وأسمعه ما يكره، فقال له: ldquo;سامحك الله، إنما أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غدا، فانصرف إذا شئتrdquo;. ومن وصايا الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ldquo;إذا سمعت الكلمة تؤذيك فطأطئ الرأس لها حتى تتخطاكrdquo;.
والاختلاف بين الناس أمر طبيعي، بل حتمي، وهذه سنة إلهية، حيث بين الله سبحانه وتعالى أن الناس في اختلاف، وأنهم لا يزالون كذلك، والخلاف لا يعرف أحقيته أو بطلانه من كثرة أعداد الموالين، فالحق لا يرتبط بعدد الأشخاص، إنه أصيل وقديم، وهو الغالب بالكلمة والحجة والبرهان، والحق لا يحتاج إلى أشخاص يجيدون الشتائم والسباب، وهو لا يريد إقصاء الآخر وإلغاء شخصه ولا الانتقام منه، بل الحوار معه، وعندما اشتد كيد الحاسدين على أحد الدعاة الكبار في العصر الأموي حتى استعدوا أولي الأمر عليه وزجوه في السجن قال: ldquo;من ضاق صدره عن مودتي وقصرت يده عن معونتي كان الله في عونه وتولى جميع شؤونه، وكل من عاداني وبالغ في إيذائي لا كدر الله صفو أوقاته ولا أراه مكروها في حياته، وكل من فرش الأشواك في طريقي وضيق علي السبل ذلل الله له كل طريق وحالفه النجاح والتوفيقrdquo;.
وأنت تحصد ما تزرع، وينبغي ألا تتوقع جني العنب من الشوك، والتين من العوسج.













التعليقات