السبت 3 فبراير 2007

خيري منصور


لم يلحق بنا وبثقافتنا وأحوالنا السياسية والقومية من الأذى ما ألحقه المحامون الرديئون للقضايا العادلة، فهم تحولوا الى رموز تجسد المناحي والمناهج والأفكار التي يبشرون بها. وهؤلاء مصابون بالازدواجية في أقصى حالاتها لكنهم لا يخجلون من ذلك، ولا يجدون حرجاً في قول الشيء ونقيضه خلال أقل من اربع وعشرين ساعة، ليس لأنهم يراهنون على زهايمر سياسي وثقافي أصاب ذاكرتنا، بل لأنهم تحولوا بمرور الوقت وإدمان الشيزوفرينيا الى كائنات يتألم السكين إذا جرحها ولا تتألم، فrdquo;التمسحةrdquo; مصطلح ضل الطريق زمناً طويلاً، قبل أن يهتدي الى هذه السلالة التي حولت النفاق السياسي الى نمط انتاج، وحاولت بالسخرية والتسفيه وسائر الوسائل الكلبية المزاوجة بين الصواب والخطأ والحق والباطل والجميل والقبيح، من دون أن يخطر ببالها أن هذا السفاح بمعناه الاخلاقي ودلالاته القانونية هو جرائم لا تحتاج الى شهود.

القومي الذي استطاع بمهارة الحواة والسحرة والنشالين ذوي الأيدي الخفيفة أن يقدم نفسه مندوباً رسمياً للقومية، أساء بأفعاله وانماط سلوكه لحظة الارتداد والتوبة التجارية الكاذبة الى جملة من المفاهيم والأفكار التي تشكل لدى ملايين الناس مرجعيات تاريخية ورافعات ودوافع للعمل!

واليساري الذي باع لحم رفاقه بالجملة والمفرق، أساء إلى اليسار كله خصوصاً لدى مجتمعات كهذه تميل الى شخصنة المفاهيم وتستدل احياناً على الفكرة من خلال رمز يجسدها!

والسرعة الفائقة والصاروخية التي يبدل بها المحترفون مواقفهم ومواقعهم تدفع أحياناً الى الحيرة لأن المجهر السايكولوجي وحده قد لا يكفي لفحصها، وقد يكون معظم ما نعانيه اليوم من فقدان الصدقية والشك في جدوى وجدية الكلمة المكتوبة ناجماً عن هذه الظاهرة التي تحولت الى مناخ موبوء، فالغواية الآن في ذروتها، وكثير من المشتغلين في مهنة الصحافة والكتابة لم يلقحوا في صباهم من هذه الحصبة التي يطال طفحها الدماغ والضمير والقلب.

والوصفات التي تروّج عبر مختلف الأساليب والوسائل للوصول من أقصر الطرق الى الهدف، تجد اقبالاً كبيراً، وقد يستمر هذا الإقبال زمناً، قبل أن تسقط الضحايا مسممة بهذه الوصفات.

نحتاج الآن الى إعادة نظر بمنظومة من المفاهيم التي اقترنت بأفراد، واحياناً بأحزاب، لأنها تفيض عن مساحاتهم، وليست العلاقة بينها وبين من يدعونها كالعلاقة بين الصلصال أو الطين والتمثال الذي يصنع منه! بحيث اذا تحطم التمثال أمحت الملامح كلها وعاد الطين كتلة صماء.

والقاعدة المنطقية التي تقول إن فاقد الشيء لا يعطيه، اصبحت الآن في مهب النسيان، لأن معظم اصحاب الوعود بالعطاء هم فاقدون لهذا الشيء وسواه من الأشياء.

وثمة مثل عراقي شعبي يليق بما نراه ونسمعه هذه الأيام في الحفلات التنكرية، هو أن هناك من يبكي على الهريسة وليس على الحسين.

إنه مثل قابل للتأويل على عدة مستويات فمن يتباكون على العروبة في النهار قد يطعنونها في الظهر حتى النخاع اذا أزف الليل أن الأعداء واضحون، وكذلك الخصوم الفكريون، أما الخطر كله فهو يأتي من المأمن الذي يسلم إليه الحذر رأسه وينام.

والأرجح أن هناك من يحترف تقمص هذا الموقف أو ذاك لبعض الوقت، من أجل الاساءة إليه وتسفيه كل عناصره.