منتصر الزيات

قلنا في مقالنا الأسبوع الماضي أن تعديل الدستور صار مطلبا ملحا لا ينبغي ان نقف عند مجرد مطامع السلطة أو مراميها منه، وأن الجماعة الوطنية المصرية يجب أن تضغط في اتجاه الافادة من تلك التعديلات بما يعود بالنفع علي الأمة المصرية كلها وقفنا عند أهم ما يجب ان يدور حوله الحوار بشأن تلك التعديلات الدستورية التي تقدم بها الرئيس مبارك هو فيما لم تتضمنه مذكرة التعديل بشأن المادة 77 من الدستور المصري التي أطلقت مدد انتخاب رئيس الدولة، وهذه المادة تحديدا لها قصة طريفة، فالرئيس السادات عندما وضع الدستور الدائم عام 71 كان ينوي عدم الترشح لأكثر من مدة واحدة، هكذا تواترت روايات القريبين منه، وهكذا صدرت المادة 77 تحدد فترة انتخاب الرئيس بدورتين فقط لا غير، لكن تأثر السادات بالمنافقين من حوله الذين زينوا له تعديل ذلك النص بحيث سيطرت عليه فكرة التعديل مجددا ولم لا وقد وقف علماء من الأزهر في البرلمان المصري يطلبون بقاءه رئيسا مدي الحياة!!

وقال آخرون إنه لا يسأل عما يفعل، وفي ذلك الوقت كانت الأمة المصرية تكافح من أجل تقنين الشريعة باعتباره مطلبا مجتمعيا ؛ فاهتبل السادات الفرصة وقدم للشعب مشروعا لتعديل دستوري يتضمن بندين أولهما يقضي بتعديل المادة الثانية من الدستور بجعل الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للدستور والثاني يطلق مدد انتخاب رئيس الدولة في المادة 77، غير أنه طلب من الشعب إما أن يوافق علي البندين معا أو يرفضهما معا فكان اختيار الشعب وقتها الموافقة ليجني ثمار نضال في جعل الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع بحيث ينسجم المشرع الدستوري مع هوية المجتمع فلا يصدر تشريعا مخالفا للشريعة.

المأساوي في الموضوع أن السادات شخصيا لم يستفد من هذا التعديل الذي أجراه ولقي حتفه في 6 اكتوبر 81 قبل انقضاء مدة الفترة الثانية.وإذا كان مقبولا إطلاق مدد انتخاب رئيس الدولة في ظل وجود قادة يوليو باعتبارهم الجيل الذي أجري تحولات جذرية في بنية المجتمع، فإن ذلك يبدو غريبا في تمريره للمستقبل المجهول بعد انقراض جيل يوليو، فما هي التضحية التي ينبغي علينا تقديمها لمجهول لا نعرفه بعد غياب الرئيس مبارك؟ المؤكد أن تحديد مدة انتخاب رئيس الدولة لا يتعارض مع حق الشعب في اختيار حاكمه بل علي العكس يأتي تكريسا لهذا المبدأ، فالأمة المصرية ثرية بكفاءتها وأبنائها الذين يمكنهم القيام بهذا الدور، أن نغلق المجال ونضيق الخناق علي الشعب ونصور له أنه لا يصلح لهذا الدور إلا شخص واحد فهذه احتكارية ليس لها في نظم الحكم مثيل، حتي النظام الفرنسي الذي يحلو لفقهاء النظام المصري الاشارة له باعتبار انه لا يحدد مددا لانتخاب رئيس الدولة فإن المناخ السياسي والدستوري الفرنسي لم يسمح لرئيس حتي شارل ديجول باني فرنسا الحديثة أن يمدد فترة رئاسته لأكثر من دورتين وعرفت فرنسا بعد ديجول ميتران وديستان وشيراك ولم تتوقف مسيرة فرنسا ولم تتقهقر.الحقيقة لم يتضح المعني الذي توخاه الرئيس مبارك برفضه اجراء تعديلعلي نص المادة 77 فحق الشعب في اختيار حاكمه لا يعني تأبيد الحق في ظل قبول مبدأ التعددية.

المسألة الثانية التي تحتاج إلي تمحيص هي مبدأ تعديل المادة 88 من الدستور التي تكفل وجود إشراف قضائي علي العملية الانتخابية بشكل يضمن قاضيا لكل صندوق، وإذا كنا نوافق من حيث المبدأ علي أنه لا يجوز احتكار الضمير في البيت القضائي برمته وبالتالي لا ينبغي حكر صفة القاضي المطلوب قيامه بالرقابة علي الذي يتصدر المنصة للحكم .لقد كان أداء هيئة مفوضي الدولة مثلا رائعا علي مدي العقود الماضية في إعداد وتحضير القضايا التي ينظرها مجلس الدولة ومحاكم القضاء الاداري في النزاعات المثارة بين الدولة أو أجهزتها المختلفة ووزاراتها المتنوعة وبين الأفراد، وكانت تقارير الرأي التي يضعها مستشاروها وأعضاؤها محل رضي المتنازعين ولم يقل أحد أنها تمثل الدولة مثلا، ونفس الشيء يمكن أن يقال علي النيابة الادارية فكم القضايا التي أحالتها إلي المحاكم المختصة ضد موظفين كبار تجعلنا نحتكم إليها بضمير مستريح.

لقد كان إصرار البعض داخل البيت القضائي علي قصر مدلول القاضي وحصره علي القضاء الجالس سبب ربكة كبيرة وأوجد ثغرات سعي الحزب الوطني إلي سدها بطريقته علي غير اتفاق مع القوي السياسية الأخري، أعتقد أنه آن الآوان لنتفق من جديد علي ضرورة إعمال النص الذي يوجب اشرافا قضائيا علي العملية الانتخابية وأن نعمد لتنفيذ ذلك علي الأرض بشكل يطمئن الجميع بدلا من تنفيذه بشكل مبتسر أو موسع يبعد القاضي عن اللجنة العامة ويمكن الموظفين ورجال المحليات من الصناديق فنضيع مكسبا حققناه من قبل.إن الأمر وسط بين تشدد البعض ومطالبته بقاض لكل صندوق، وتفريط البعض الآخر بقصر الاشراف علي اللجان العامة أي بعودة الاشراف صوريا، إننا بحاجة إلي حلول وسط لا تعطل العملية الانتخابية وقتا طويلا يزيد علي المراحل الثلاث ولا تجعلها في الوقت نفسه هذرا صوريا في يوم واحد.