مشاري الذايدي

أحيانا تعجب من بعض المقارنات التي لا معنى لها، كأن تقارن بين تفاحة وتمرة، أيهما أزهى منظرا، وألذ، لأنها تبدو مقارنة مع الفارق كما يقال، فالتفاحة تقارن بتفاحة مثلها حتى تصبح المقارنة عادلة ومتساوية ومنطقية، وكذلك التمرة بالتمرة... بهذه الطريقة تصبح الأمور أيسر للفهم، واقرب للعدل.

جالت بخاطري هذه الفكرة، وانأ أطالع تعليقا للكاتب الأمريكي توماس فريدمان نشر في الـ laquo;نيويورك تايمزraquo; 31 يناير المنصرم، وخلاصة مقالة الكاتب هي أن إيران هي دولة التقدم والتنوير، وهي الأقرب لثقافة وسياسة أمريكا، من السعودية...

ويبدو أنه شعر بأن هذه الفكرة وهذا التفضيل يبدو غريبا بعض الشيء، لذلك لجأ السيد فريدمان إلى وضع اختبار يشبه اختبار الطلاب على مقاعد الصفوف الابتدائية، وهو افتراض أن هناك دولتين: أ و ب.

يضع اختبار فريدمان الصورة كالتالي:

الدولة أ ساعدت أمريكا على هزيمة طالبان في أفغانستان، وتجري دولة (أ) بشكل منتظم انتخابات حرة، ويحق للمرأة في هذه الدولة الإدلاء بصوتها في الانتخابات، وتسلم مناصب قيادية، ويشكل العنصر النسوي فيها غالبية الطلبة الجامعيين، كما تعمل المرأة في هذا البلد في كافة قطاعات العمل.

ويتابع فريدمان صورته laquo;الافتراضيةraquo; مذكرا بأن لهذه الدولة مصلحة استراتيجية في نجاح الحكومة الشيعية العراقية المنتخبة والحليفة للولايات المتحدة، وعلى الرغم من أنها دولة إسلامية تجاور العراق، فإن هذه الدولة لم ترسل قط أي شخص لتنفيذ هجوم انتحاري في العراق. هذا عن الدولة أ، من منظور المواطن والكاتب الأمريكي، فماذا عن الدولة ب؟!

يؤكد أن الدولة ب قدمت لـlaquo;ناraquo; 15 من مجمل خاطفي طائرات 11 سبتمبر التسعة عشر، وهذه الدولة لا تسمح للمرأة بقيادة السيارة، ومحظور في هذه الدولة بناء الكنائس أو المعابد، كما أن هذه الدولة ساعدت في تقديم الدعم المادي لطالبان، إضافة إلى ذلك فإن المؤسسات الخيرية الخاصة في هذه الدولة تقدم الدعم لتنظيم القاعدة، وقد تم تجنيد أعداد من الشباب في مساجد هذه الدولة بشكل منتظم لتنفيذ هجمات انتحارية في العراق، (نذكر فريدمان بأن هؤلاء الشباب يدخلون بتسهيلات من سوريا، حليفة إيران.. فقط للتذكير!) وهذه الدولة لا تريد للحكومة العراقية المنتخبة بقيادة الشيعة أن تنجح، ورغم أن قادة هذه الدولة موالون للولايات المتحدة فإن استطلاعات الرأي تبين أن شعب هذه الدولة يكن العداء لأمريكا.

هذه مجمل الصورة السلبية من الزاوية الأمريكية للدولة ب. ومرة أخرى من منظور الكاتب الذي يتحدث هنا، او يحاول، باسم الذات الأمريكية الجماعية.

غني عن القول طبعا، أن الدولة أ هي إيران، والدولة ب هي السعودية، وعليه فرسالة المقال هي أن إيران هي الحليف الطبيعي لأمريكا، قائدة العالم المتحضر والحر، وليس السعودية، وذلك لأن إيران دولة متحضرة وتقدمية فيما يتصل بقضية المرأة، وأهم من ذلك هي حليفة الأمريكان في حرب إسقاط طالبان وفي حرب إسقاط نظام صدام في العراق، كما أنها لم ترسل انتحاريا واحدا ضد الأمريكان، بينما الشعب السعودي يكره أمريكا (جملة اعتراضية: وماذا عن شعوب كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا.. وحالة الكراهية لأمريكا المنتشرة في العالم؟!) وخرج منه 15 من أصل 19 انتحاريا في هجمات 11 سبتمبر، وهم اعترفوا بطالبان ودعموها.

الحقيقة أن مقارنة فريدمان هنا ناقصة لأنها تغفل الإشارة إلى جوانب أخرى من الصورة.

لن استقصي نقاش كلامه كله، لقصر المساحة، ولكن أشير إلى طرف منها بعد قليل، ولكن قبل ذلك لا بد من التأكيد على أن السيد فريدمان يعلم جيدا الفرق الكبير بين السياسة السعودية الخارجية وبين السياسة الإيرانية الخارجية، والأغرب انه وفي ذروة التشابك بين الرؤيتين الإيرانية والسعودية في المنطقة، وهو تشابك بين رؤية السلام، وبين رؤية الحرب... أقول انه في ذروة هذا التشابك بين الرؤيتين يدلي فريدمان بهذه المقارنة الغريبة. وهو يعرف جيدا، من يدفع باتجاه السلام ومن يدفع باتجاه الحرب في الشرق الأوسط.

إيران التي يقول فريدمان إنها لم ترسل مفجرين ضد أهداف أمريكية، هي نفسها إيران التي خلقت حزب الله في لبنان، واحتضنت رمزها العسكري والإرهابي الأكبر عماد مغنية، وما زالت، وهو الذي دبر قتل 250 جندي مارينز في بيروت سنة 1983.

وإذا مكثنا في الحاضر الآن، فهي نفس الدولة التي يعيث حرسها الثوري ومخابراتها في العراق، ليس ضد السنة فقط، بل حتى ضد الأمريكان، وباعتراف تقرير بيكر ـ هاملتون، الذي ربما يكون فريدمان ميالا إليه، فالمليشيات الشيعية التي تقوم بأعمال القتل الطائفي والتهجير المنهجي هي ميليشيات مرتبطة بالحكومة، وهي الحكومة التي وصفها فريدمان بأنها حكومة صديقة، وان إيران تدعم هذه الحكومة.

من يدعم ميليشيا الصدر؟! هذه الميليشيا التي كانت ومنذ البدايات تعلن نفسها عدوة للأمريكان، أليست إيران وحكومة الائتلاف...

دعنا من هذا، من خطف وقتل الخمسة جنود الأمريكان في كربلاء يناير الماضي، في مركز التنسيق المشترك؟ الم توجه التهمة لأطراف إيرانية أو مرتبطة بها، خصوصا بعد عملية اربيل التي قبض فيها الأمريكان على عناصر استخبارات إيرانية.

وحينما يتحدث فريدمان عن السعوديين يدعمون القاعدة، عكس إيران! فهذا شيء يدعو للاستغراب من كاتب ومتابع جيد..

فقبل كل شيء، في المستوى الشعبي، وشبه الشعبي، السعودي، نعم هناك حالات تعاطف وانحياز للقاعدة، تقل وتكثر، وقبل أيام أعلنت السلطات السعودية أنها ألقت القبض على شبكة تمويل للقاعدة من سعوديين وغيرهم.

لكن في المستوى السياسي الرسمي، وفي أوساط مثقفة ونخبوية، وحتى في بعض الأوساط الشعبية، خصوصا بعد استهداف القاعدة لمواقع عمل سعودية، فإن الوضع هو وضع محاربة للقاعدة، بل ومحاربة شرسة، نقلت شاشات التلفزة طرفا منها، نذكر منها فقط معركة الرس الشهيرة.

نعم، لدينا كمتابعين انتقاداتنا على هزال ورخاوة المحاربة الفكرية والتربوية، وقلناها أكثر من مرة، ونعرف أن هناك ترددا من قبل البعض في إكمال المهمة لآخرها، ولكن القرار الرسمي الأساسي هو قرار محاربة ومنازلة للقاعدة في كل المجالات.

لكن ماذا عن إيران الدولة؟!

ألم تعقد تحالفات مع القاعدة وتستخدمها؟! الم تؤو سليمان بوغيث الناطق باسم القاعدة؟ ألم يلجأ إليها كثيرون من رموز القاعدة؟

الم يعثر الأمريكان على رسالة لأيمن الظواهري موجهة إلى زعيم القاعدة في العراق الزرقاوي، مؤرخة بـlaquo;يونيو 2005raquo;.يحذر فيها الزرقاوي من استهداف الشيعة، لأن ذلك سيغضب إيران على القاعدة، وبالتالي يعرض مصالح القاعدة وعلاقتها مع إيران للخطر، خصوصا، كما قال الظواهري في رسالته تلك، ان للقاعدة أشخاصا تحت رقابة الحرس الثوري؟!

بل إن المعلومات السعودية الأمنية تشير إلى أن إدارة عملية تفجيرات 12 مايو في الرياض، تمت من مكان ما في إيران بتوجيه القيادي في القاعدة، الضابط المصري سيف العدل.

فكيف يختزل فريدمان الصورة وتعقيداتها بهذا الشكل المخل؟!

إيران الثورية تعرف كيف تنسج تحالفاتها، بصرف النظر عن طائفة وثقافة ومعسكر المتحالف معه؟!

الم تتحالف إيران مع laquo;الشيطان الأكبرraquo;، وهو مصطلح مؤكد ان السيد فريدمان يعرفه، فهو صنع في إيران، تحالفت مع هذا الشيطان في حرب طالبان، ثم تحالفت معه في حرب العراق، ولا مانع لديها من أن تتحالف مع laquo;الشيطان الأصغرraquo;، القاعدة، أو تستخدمه على الأقل من اجل إزعاج الشيطان الأكبر.

إن التدخل الإيراني في العراق، وهو تدخل يزعج الأمريكان، قبل أن يقلق السعوديين وغيرهم، أصبح حقيقة لا غبار عليها، والكل يعرف عن منظمات قتل وخطف تابعة مباشرة للحرس الثوري أو لجهاز اطلاعات الإيراني أو لفيلق القدس... جماعات قتل صغيرة، ناهيك عن الجماعات الكبرى مثل مجلس الحكيم أو تيار الصدر.

أما الشيء الظريف فهو حكاية الاعتراف بطالبان، وكأن امريكا لم تكن راضية بذلك أو تشجع عليه، وكأن السعودية هي الدولة الوحيدة التي اعترفت بطالبان، وكأن قلب الدين حكمتيار، عدو طالبان حينها وحليفهم الآن ضد الامريكان، لم يكن عدوا للامريكان، وكان هناك وهم أن طالبان يمكن استخدامها؟!

الحق يقال إن مقاربة فريدمان فيها قدر عال من التسطيح، في خصوص تشخيص السياسة الإيرانية الخارجية، ومقاربة نمطية تقليدية حول السياسة السعودية الخارجية، ربما نقبلها من أفلام هوليودية من النوع الذي يظهر السعودي وهو يرتدي laquo;منشفةraquo; على رأسه، ويلاحق النسوان وهو يتقطر لعابا، ولكن أن تكون هذه المقاربة من شخص كتب ذات يوم عن مبادرة الملك عبد الله للسلام العربي مع إسرائيل، فذلك شيء غريب حقا.

يبقى أمر مهم، وهو أن تثمين فريدمان للتجربة الإيرانية في موضوع المرأة وحقوقها، هو تثمين في محله، وهو محق فيه، ففعلا المرأة الإيرانية أثبتت انه يمكن للمرأة المسلمة أن تشارك في الحياة العامة بكل قوة وثقة، وهي في هذا الصدد تتفوق على كثير من تجارب الدول الأخرى، وعلى رأس هذه الدول: السعودية، هذه كلمة حق يجب أن تقال.

صفوة القول: إن السياسة الإيرانية الحالية، هي سياسة ضارة تدفع باتجاه العسكرة وتزيد من نار الأصولية السياسية، وما امر حماس وحزب الله عنا ببعيد، فيكف تقلب الأمور، ويصبح اليمين شمالا والشمال يمينا؟!

التشخيص الصحيح للأمور، هو البداية الحقيقية للخروج من الأزمات، وليس laquo;طبخraquo; الوقائع على طريقة laquo;الفاست فودraquo; الأمريكية.

[email protected]