الأربعاء 7 فبراير 2007

خيري منصور


إذا كان أرذل العمر في حياة الأفراد هو الشيخوخة وبلوغ الخريف، فإن أرذل العمر سياسياً بالنسبة للشعوب هو أن تعيش وتنجو من الإبادات المتعاقبة كي ترى الحرب والسلام والهدنة تتم بين التوائم، وتهاجر من مواقعها الأصيلة في المعاجم، لأن العدو استبدل، وكذلك الحليف. وتاريخنا العربي عرف مثل هذا الانتحار في المراحل التي انتقلت فيها الريبة من الآخر إلى الذات، وهناك مراحل ائتمن فيها العربي أعداءه على حراسته من ذويه، انسجاماً مع الحكمة الخالدة التي فاضلت بين ذوي القربى وذوي البعدى لمصلحة الأباعد.

والعرب انفردوا بوصف الأقارب بالعقارب، لأن الهمزة لا مكان لها في هذا النحو الجاهلي! الذي تختفي فيه علامات الإعراب كلها لمصلحة الجرّ.

كنا فيما مضى، لا نحتاج إلى إضافة كلمة واحدة إلى الاحتلال كي نعرف على الفور بأنه بريطاني أو فرنسي أو أمريكي أو ldquo;إسرائيليrdquo;، والآن تحتاج كل كلمة إلى هامش، فالاحتلال عربي أيضاً، والحرب قد تكون بينية، لأن ذرية هابيل وقابيل لم تنقطع عن الإنجاب حتى هذا الصباح.

هدنة بين عراقي وآخر، ومصالحة بين فلسطيني وآخر، وتهدئة بين لبناني ولبناني.. ما الذي أبقيناه في ارذل العمر هذا للأعداء؟ ما دام القاموس كله قد انقلب رأساً على عقب، وتولى ذوو القربى الأشد مضاضة الأمر كله؟

إن من حق أي عربي لا يزال قادراً على الخجل أن يعتذر لنفسه من نفسه وهو يرى ما نرى، لأن الصراع حين يكون بين عربي وعربي يستدعي الاحتياطي كله، بدءاً من القبيلة حتى الفسيلة، ولا ندري لماذا يصبح العربي أشد قسوة على أخيه من أي عدو، فلا يجنح إلى السلم دفاعاً عن كرامة وهمية وعن كبرياء ورقية.

ذلك لأن من ينتصر على أبيه أو أخيه وأحياناً على ابنه الرضيع لا يحق له أن يعلق الغار على رأسه، لأن العار أولى.. والحروب التي تندلع بين التوائم، لها حاسوب آخر، لأن الحصيلة موزعة بالتساوي بين خاسرين ومهزومين، بل هي خسارة مضاعفة وهزيمة مركبة، لأن من يخسر أخاه وابن عمه معاً يصبح مثاراً لاستخفاف الملأ إذا وردت على لسانه أو في لعابه كلمة النصر.

بالتدريج، وبالتقسيط المريح للأعداء أصبحت مصطلحات الصراع عربية خالصة، ومحررة من أية عجمة، ما دام الاحتلال قد أصبح ممارسة قومية لها مسوغات تاريخية وأيديولوجية، ومادام التحرير أصبح حكراً على الإخوة الأعداء.

وإذا كان ما يسمى هدنة أو تهدئة أو مصالحة بين حماس وفتح وحكومة لبنان ومعارضته وسنة العراق وشيعته، هو المنتج السياسي الحديث لثقافة الانتحار فإن من يسمون الأعداء قد نجوا، بل وجدوا من ينوب عنهم من الأطراف كلها، لأن القاتل من صلب القتيل.

وإذا لم يتنبه العرب تربوياً على الأقل إلى هذه الانعطافة الكبرى في ثقافتهم الوطنية فإن ما ينتظرهم أسوأ بأضعاف مما يمرون به الآن.

فالجيل الحي تلقى ثقافة مغايرة لهذه، وله أدبيات قد تتدخل في لحظة صحو فيشعر بالخجل ويتراجع.

أما الأجيال التي ولدت وفي أفواهها ملاعق من دم الشقيق، وأناشيد في هجائه فهي قد تندفع حتى أقاصي تدمير الذات، وقد تستمرئ مثل القطط مذاق دمها لتدرك بعد فوات الأوان أن ما توهمت أنه العافية هو السم الزّعاف.