الخميس 8 فبراير 2007

... دور خليجي فاعل ومتسارع مطلوب


حسن علي كرم


يبدو ان منطقة الخليج قد كتب عليها ألا تهنأ بمطلب الاستقرار والهدوء والأمان. وان توظف الأموال المحصلة من انتاج البترول في أمور الرخاء والتنمية والتقدم على دولها وشعوبها، فالمنطقة هذه البحيرة الصغيرة ذات الأمواج الوادعة لم تشهد الاستقرار. وكانت محل النزاع والمطامع والصراع منذ قرون طويلة وبخاصة خلال القرنين الأخيرين من قبل القوى الاستعمارية الكبرى التي فطنت مبكرا الى أهمية موقع منطقة الخليج وأهمية الهيمنة عليها لما تشكل من موقع استراتيجي يربط الشرق بالغرب ويقصر المسافة بين الجهتين. ثم تضاعفت أهمية المنطقة بعد الاكتشافات النفطية التي أكدت انها (أي المنطقة الخليجية) تسبح على بحيرة هائلة من النفط تمتد حدودها من ايران ثم العراق فالدول الخليجية العربية قاطبة. وهي تشكل وحدها على ما يزيد على ثلثي الاحتياطي النفطي العالمي أي ما يزيد على %64 من الاحتياطي النفطي الحالي المدفون في باطن الأرض وقاع الخليج. ثم توجت أهمية المنطقة ايضا باكتشافات الغاز الهائلة وبخاصة الحقول المشتركة بين كل من ايران وقطر واللتين تشكلان ثاني وثالث أكبر المنتجين لتلك المادة الحيوية بعد روسيا الاتحادية. واذا كانت المنطقة قد شهدت خلال القرن الماضي بعض أعمال الغزوات والنزاعات والحروب البينية الثانوية أو الاستثنائية بقصد الثأر أو استرداد النفوذ أو التوسع والهيمنة. وبخاصة تلك التي تمثلت في المثلث الواقع بين جنوب العراق الى الكويت الى الأراضي النجدية لكن أكثرها مأساوية وعبثية ومدمرة هي الحروب التي خاضها صدام حسين على كل من جمهورية ايران الاسلامية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي والتي استمرت نحو ثماني سنوات قضت على الأخضر واليابس وابيد فيها نحو مليون شخص ومثلهم ما بين جرحى ومعوقين ومفقودين. ثم على الكويت التي غزاها بآلته العسكرية المحترفة والخارجة من حرب الثماني سنوات الخاسرة، ثم أخيرا ما سمي بحرب تحرير العراق من قبل قوات دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لخلاص الشعب العراقي المظلوم والموجوع من حكم صدام حسين العائلي العنصري الظالم المستبد ولخلاص المنطقة والعالم من شروره ونزواته. واذا كانت حرب الاطاحة بنظام صدام حسين قد حدثت بعد احداث (11) سبتمبر 2001 وهي الأحداث التي احدثت نقلة في مفهوم الحروب التقليدية الى حرب من نوع جديد يعتمد على الخفة والرعب والارهاب والضربة الموجعة بأقل عناصر بشرية مجندة. لكنها (أي حرب تحرير العراق) تعد امتدادا لسلسلة الحروب والاعتداءات والصراعات والنزاعات التي خاضتها المنطقة. ولعل وجود نظام تجسد فيه كل عناصر الشر والعدوان والحقد مثل نظام صدام حسين ويكون تحت يده أسلحة تدميرية خطيرة كان لا بد من ضربه والتخلص منه ومن شروره. الا انه رغم مرور ما يقرب من أربع سنوات من عملية الاطاحة بنظام صدام المقبور فلا زالت تبعاتها مستمرة ولا زالت تفاعلاتها خطيرة على الصعيدين الأمني العراقي وعلى صعيد أمن المنطقة برمتها خصوصا ان الفوضى الأمنية العارمة وبروز ما يشكل حربا طائفية هناك جعلا من الأرض العراقية حاضنة جاذبة وآمنة لغلاة المتطرفين والارهابيين وعتاة المجرمين الأمر الذي قد جعل من وجودهم الآمن ذاك هناك خطرا ليس على العراق وحده وانما على المنطقة بكل دولها وشعوبها والاخطر من ذاك هو تجدد هبوب رياح الخلاف المذهبي السني ـ الشيعي بقوة في فضاء المنطقة والتي كانت الظنون قد حسبتها انها قد ولت أو انقشعت وانها بقيت من مخلفات الماضي التي ماتت ودفنت بموت ودفن اصحابها وأنه ما للسنة والشيعة من أمن واستقرار الا من خلال العيش المشترك وتغليب روح التسامح والقبول أو الاعتراف بالآخر. الا انه ينبغي الاعتراف ا ن تجدد رياح المذهبية يعود الى الوضع المستجد على الساحة السياسية العراقية بعد زوال النظام الفردي الدكتاتوري هناك والذي صادر حق مكونات الشعب العراقي من مختلف الأعراق والمذاهب والاثنيات من المشاركة في الحكم وحق التعبير والعمل السياسي. بل مارس بحقهم كل وسائل الارهاب والاضطهاد والعزل والتهجير والقتل الشنيع واذا كان من أهم مكاسب زوال النظام الدكتاتوري العنصري هو قيام حكم ديمقراطي يشارك في صنعه العراقيون بكل أطيافهم السياسية والدينية والمذهبية. وبكل مكوناتهم العرقية والاثنية وان يصبح الحكم تداوليا يقوم علي مبدأ الأكثرية والأقلية وهو الأمر الذي لم يعتد عليه العراقيون منذ قيام دولتهم الحديثة في عشرينيات القرن الماضي. منذ العهد الملكي اي عهود الجمهوريات الغوغائية ظل الحكم يصبغ بلون واحد وهو اللون السني العروبي. و بما ان الشيعة يشكلون النسبة العالية من الشعب العراقي فكان الأمر الطبيعي والعادي هو ان يشكلوا الأكثرية في هياكل الحكم الديمقراطي الوليد. ويبدو انه من جراء ذلك قد حدثت فجوة واسعة ما كان لها ان تحدث لو أخذ في الاعتبار الأعراف التي درج عليها الحكم ثم الأخذ بالديمقراطية المتدرجة. فالعراقيون يحتاجون الى وقت مناسب حتى يستردوا فيه وعيهم ويحتاجون الى وقت أطول حتى يستوعبوا الديمقراطية ويتقبلوها، لكن التطبيق السريع والمستعجل هو ما يوعز اليه بالفتنة الطائفية وهو ما أخاف أنظمة الحكم المجاورة ايضا من وضع غير معهود لو نجح سيجبرها ان ترضخ اليه وسيجبرها ان تلبي استحقاقاته، فكل الدول المجاورة للعراق. بل كل دول الشرق الاوسط (عدا اسرائيل) تعاني من الاختلالات السياسية الفاضحة، وتعاني من فجوة الطوائف والاقليات. ولعل نغمة التشيع التي شاع صداها في الآونة الاخيرة وضرب السنة بالشيعة هو لعبة سياسية يائسة وعبثية مكشوفة وسيكون اول واكبر الرابحين منها هم غلاة المتطرفين الاصوليين الاقصائيين والخلايا الارهابية الناشطة أو النائمة والتي لها وجود في كل البلدان العربية وستجدها فرصة ذهبية غير منتظرة للعبث في الامن وضرب الاستقرار واثارة الرعب والارهاب وسفك الدماء البريئة تحت محجة الجهاد ودرء الفتنة واعلاء راية الاسلام(؟؟)
ان منطقة الخليج تكاد تعود الى دائرة الحرب مجددا فمن الفتنة الطائفية الى الوضع الفوضوي المجهول في العراق الى مكابرة الولايات المتحدة وعناد ايران والى ما يسمى بتوسع النفوذ الايراني في البلدان العربية والزعم بالتبشير للمذهب الشيعي كل ذلك يجعل المنطقة الخليجية على صفيح ساخن أو يجعلها تجلس على قنبلة قابلة للتفجير في اية لحظة. واذا ما انطلقت شرارة الحرب القادمة فأغلب الظن انها لن تكون محدودة المسافة وانما سيصل مداها ليشمل كل الساحة الخليجية وقد تمتد مسافات ابعد. ان الوضع في مجمله خطير وهش. فالتقارير الصادرة عن المراكز الاستراتيجية الموثوقة والمعتمدة في كبريات العواصم العالمية تضع خيار الحرب على السلام في المنطقة ويبدو ان الحرب باتت مسألة وقت ومسألة التأمين اللوجستي لها. وستكون البلدان الخليجية وبخاصة الصغيرة على خط النار المباشر. فما هو الثمن الذي ستحصل عليه البلدان الخليجية جراء تلك الحرب لو قامت غير المزيد من الخسائر وتبديد الثروة وتعطيل التنمية وتهديد الاستقرار الداخلي.
ان دول الخليج ستكون قاصرة لو وقفت موقف المتفرج وهي التي تحت اقدامها تقع النار. ولم تبادر الى تحرك سريع لعلها لا تمنع وقوع الحرب ولكن تعمل على تأجيلها فالحروب لا تحتاج الى مبررات مقنعة كي تقع. فكم من حروب عبثية وقعت ثم اوجدت لها المبررات.
ان دول الخليج بيدها اوراق كثيرة تستطيع استغلالها. فهي تستطيع اطفاء نار الفتنة السنية ـ الشيعية على الاقل في محيط بلدانها. وهذا اهم واول بند لتأمين الامن الداخلي. وهي تتمتع بصداقة وسمعة قوية وطيبة مع كافة الاطراف المتصارعة بدءا من امريكا الى ايران الى اسرائيل. وهي ترتبط بعلاقة طيبة وحميمية ولها دالة على كافة الزعامات والقيادات السياسية والعشائرية والدينية في العراق. وكل ذلك يجعل من المنظومة الخليجية بأن تكون مؤهلة اكثر من غيرها للعب دور الوسيط النزيه. سواء في مسألة الخلاف الايراني الغربي (النووي) أو الوضع العراقي أو الخلاف السني ـ الشيعي وغيرها من الاوضاع والمسائل الساخنة التي تعيشها المنطقة. فالخليج في قلب النيران. والخليج عانى من الحروب والمعارك والنزاعات والصراعات والمطامع والفتن خلال الدهور الماضية. ما لا مكان لاحتمال غيرها وان من حق الشعوب الخليجية على كلا الضفتين ان تعيش بسلام وامان. ومن حقها ان تتمتع بثرواتها بدلا من حرقها على نيران الحروب العبثية والقاتلة.
ان على دول المنظومة الخليجية التحرك الجاد والفاعل والسريع والنزيه. ان على المستوى الفردي أو التحرك الجماعي من اجل استتباب امن وسلام المنطقة. ومن اجل سلام وامن واستقرار شعوب ودول المنطقة. ذلك ان الوضع خطير والوقت قاتل..