السبت 10 فبراير 2007
خيري منصور
افتضح علم النفس ما سمي ظاهرة الحب العذري عندما أضاء العالم السفلي والمسكوت عنه في هذا المجال العاطفي، لكن علم النفس السياسي وهو فرع بالغ الأهمية من فروع علم النفس لم يفتضح حتى الآن العذرية السياسية، وهي المرادف الحقيقي والموضوعي للعذرية العاطفية أو عذرية الحب.
وإذا كان الشاعر العذري حريصاً بكل قوته على افتعال العقبات كي لا يتزوج من المحبوبة، فإن السياسي العذري الذي يتشبث بالايديولوجيا أكثر حرصاً من توأمه على البقاء بعيداً عن التجربة التي تمتحن نظرياته المتأنقة ومهارته في نقد النظم القائمة.
وهناك أحزاب عربية كانت على مرمى بيان واحد من السلطة لكنها فضلت الهامش، فالمعارضة التي يدمن أصحابها النقد عن بعد والتدفئة على وهج النار بدلاً من زج الأصابع في جمرها تبدو أقرب الى اليوتوبيا، وأطروحات رموزها ومن يمثلونها تبدو غارقة في الطهرانية، لأن من لا يعمل لا يخطئ، وتلك ضمانة خالدة لمن قرروا البطالة السياسية لمصلحة التفرغ النظري والمساجلات التي تحول كل شيء الى تجريد أو رياضيات لا يعرف من يضرب أخماسها بأسداسها عم يتحدث.
إن إغراءات العذرية السياسية لا حدود لها فهي عشق من أجل العشق فقط، كما أن الشاعر العذري يحب الحب أكثر مما يحب المرأة التي يتغزل بها، وهو الذي يعرف جيداً بأن غزله الصريح سيحول دون الوصال، وبالتالي سيدفع القبيلة الى حرمانه من الزواج بمن يحب!
والعقبات التي يفتعلها العذريون في الحب أصبحت معروفة منذ كتب عنها دورجمون الفرنسي كتابه الشهير ldquo;الحب والغربrdquo;. ومنذ كتب د. صادق العظم ود. طاهر لبيب دراسات معمقة وفاضحة للعشاق العذريين الذين يحرمون أنفسهم كي يديموا الحنين وبالتالي كي يملأوا زوادتهم بما سيقولون شعراً!
لكن العقبات التي يفتعلها الساسة العذريون لا تزال مهجورة من حيث البحث والتقصي رغم سهولة الكشف عنها.
وهنا يمكن تقسيم العذريين السياسيين الى فئتين، فئة ترى في إدمان المعارضة من أجل المعارضة فقط إعفاء لها من أية مسؤولية في مواجهة الواقع وإشكالياته، وفئة ثانية تذهب الى أقصى الراديكالية من باب التعجيز، أو التسويف فالوقت دائماً غير ملائم كما تقول، وحقيقة الأمر ان هذه العذرية يلوذ بها أناس وضعوا رجلاً في الجحيم وأخرى على باب الجنة، بل هم الأعراف حسب أدبياتنا الإسلامية، وهم اللمبو الذي جعله دانتي صاحب الكوميديا الإلهية هامشاً بين الجنة والنار.
وللعذرية السياسية ميراث طويل وكبير في تاريخنا فهي نافذة النجاة، أو الباب الخلفي المخصص للهرب لحظة اندلاع الحريق.
وتتلخص العذرية السياسية في كلمتين فقط هما قُلْ ولا تَقُل.. أي در حول نفسك كما لو كنت ترقص ولا تتقدم خطوة واحدة الى الأمام، لأن السير يتطلب اتجاهاً محدداً الى الأمام أو الوراء.. أو الى اليمين أو اليسار.
والعذرية السياسية ليست نبتاً شيطانياً فهي ذات جذور ومقدمات وأسباب ولعل أهم أسبابها الخوف، وفلسفة التجنب والسير بمحاذاة الحائط.. بصمت لأن له أذنين كما يقال.
والمرات القليلة التي امتحن فيها العذريون السياسيون أوضحت على الفور انهم أشبه بالدجاج الذي لا يستطيع الطيران بجناحيه.. وقد يعوقانه أحياناً عن المشي كسائر الكائنات.














التعليقات