عبد الرحمن الراشد

يشهد كل مكان تعرض سابقا للإرهاب مؤشرات على ولادة جديدة له، فكيف قدر له أن يعود رغم الحملة الشرسة ضد التطرف والمتطرفين. من جديد بدأت جولة من الملاحقات الأمنية لمواجهة مؤشرات عودة الإرهاب بعد استرخاء لم يدم طويلا. ففي بريطانيا، اعتقلت الشرطة مجموعة جديدة بدعوى التآمر للقتل وأعادت للحبس آخر بتهمة التحريض، وأغلقت مدارس قيل إنها تدعو للتطرف. وفي باكستان أغلقت مدرسة أيضا وُصِفت بأنها مركز للمتطرفين. وفي السعودية اعتقل عشرة بينهم ممولون للإرهاب. وفي الجزائر وسورية والأردن واليمن نفذت عمليات توقيف لأسباب مماثلة، وفي المقابل، قال تنظيم laquo;القاعدةraquo; انه استأنف نشاطه الدعائي الالكتروني على الإنترنت بعد توقف دام سنتين.

العودة إلى المواجهة ليست إلا فصلا آخر متوقعا من معركة فكرية في حلقة مفرغة والتي أقول، بكل أسف، إنها خاسرة وبشكل كبير حتى الآن. فإغلاق مدرسة في بريطانيا عمليا لا يصحح المشكلة بل ينقل الفكر إلى مدرسة أخرى والى البيت ومواقع الدردشة وهكذا. فالعلة ليست في المدرسة، حتى عندما تكون مناهجها مليئة بالدعوات المتطرفة، بل في المادة الثقافية التي لا تتوقف بمجرد إغلاق أبوابها بالشمع الأحمر.

الحل في تقديم البديل لا في محاصرة التطرف الرابض بيننا. وما لم يضع المعتدلون والمسؤولون في بريطانيا، وغيرها من الدول المنكوبة بهذا المرض، جهدهم لترويج الاعتدال فان محاصرة التطرف لن تنجح في القضاء عليه. فالإسلام المعتدل هو البديل، وهو الحل. ولأن أحدا لا يروج له، ولا يتبناه فكرا وعملا، ستبقى النسخة المتطرفة هي الرائجة.

أما الإسلام نفسه فقد ظلم لأن الحديث عنه بقي محصورا دائما في التفسير المتطرف والممارسات المتطرفة له، ثم سخرت كل الجهود تقريبا لملاحقة النسخة المتطرفة مع تجاهل شبه تام للبديل، الإسلام المعتدل.

بلا بديل يملأ الفراغ الديني، يمكن من عودة التطرف بيسر كما نرى اليوم، فيستخدم في خدمة أغراض إرهابية، تجنيد الآلاف من الشباب لم يتوقف وكذلك جمع التبرعات وترويج الغلو السياسي الديني. وفي كثير من الأحيان ينتشر بلا تدبير أو تآمر، بل لأن البديل مفقود.

إن خير سلاح لمواجهة التطرف هو في تقديم الإسلام المعتدل، وهو الأصل والذي كان منتشرا في الماضي القريب وكان يقرن دائما باسم السماحة. الإسلام المعتدل وحده قادر على دحر المتطرف ومحاصرة الإرهاب ذاتيا. لقد أمضينا وقتا طويلا نحارب الإسلام السياسي لأنه يستخدم لأغراض شخصية أو حزبية لا علاقة لها بالدين، وهذا صحيح، لكننا في الوقت نفسه وفي زحمة المواجهات الكلامية نسينا أن نقدم الإسلام السياسي الصحيح، وبالتالي صار المشهد إسلاما مسّيسا مرفوضا يقابله فراغ فكري.

[email protected]