الأثنين 12 فبراير 2007

السفير ـعبد الله بشارة

ليس سرا أن الأمور ـ يعني الوضع العام في الكويت ـ لا تسعد ولا تبهج، لسبب واحد هو انحسار الانضباط وانفلات القوانين والتراخي الجماعي في احترام هذه القوانين والالتزام بها، وافرزت هذه الحالة العامة استخفافا بكل اللوائح والنظم، كما افرز هذا الاستخفاف تطاولا على هيبة الدولة وعلى ما ترمز اليه، وعلى تراجع بارز فيما يسميه السياسيون الانضباط الجماعي الذي ضاع، وحلت مكانه ثقافة الاستهتار وهي من ابرز مظاهر الوضع العام الكويتي.
ولا يهمنا الاشارة الدائمة الى أن دول الجوار تعاني من ثقافة الاستهتار، نحن نتحدث عن الكويت، التي عاشت وتجاوزت المصاعب والتهديدات بذراع وطنية واحدة جوهرها الانضباط، الذي تحلل لأسباب كثيرة، لكن أهمها التهاون الرسمي في تطبيق القانون وتصيد المستفيدين من ذلك سواء من ممارسي العمل السياسي او من أصحاب المصالح في المجتمع، وثانيهما كثرة الجاليات وعمالتها الهامشية المتواضعة الفكر والثقافة والمستوردة الى الكويت بسبب أميتها ورخصها وعجزها عن ايجاد عمل مفيد لها في بلدانها.
وساعد هذا التراخي الرسمي تجار الاقامات وبعض من اصحاب الدخل المحدود الذين استسهلوا الحصول على مال اضافي من ممارسة تجارة الكفيل.
ويمكن القول بأن حديث الدواوين المعبر عن الهموم اليومية للمواطن يأتي من التذمر والشكوى من التهاون في فرض القانون وفرض سطوته على المجتمع، كما يمكن الاستفادة من هذا التذمر العام في استعادة الهيبة اذا ما تحولت النداءات والمفردات الصادرة من القيادة العليا الى قرارات حاسمة تصدر الى الأجهرة ودوائر الحكومة لفرض السطوة الانضباطية التي تحتاجها الكويت. وفي هذا المجال يمكن ابداء الملاحظات التالية:
اولاً: الكل سعيد بالمفردات التي تصدر عن القيادة العليا والمعبرة عن ادراك قوي بضرورة عودة الكويت الى ما كانت عليه، فالقيادة واعية الى الأذى الذي حل بالكويت بسبب التراخي في الضبط والربط وما خلفه من جرأة غير عادية في تحقير القوانين.
يقول سمو الأمير في خطابه بمناسبة مرور عام على توليه السلطة: (ان المواطنة الصالحة سوف تتجلى في يقين كل فرد منا ـ ايها المواطنون ـ بأنه لا احد فوق القانون وان الجميع سواسية، وبهذا الفهم المستنير يقدم كل كويتي صورة مشرقة لشعب له دور بارز في صنع مستقبله).
واذا كان هذا التوجه البناء والمسؤول يصدر من أعلى موقع في الدولة فلا مبرر للتأخير في تحويل هذا التوجه الى قرارات تتعامل معها اجهزة الدولة بشكل جماعي وحازم وقاطع.
ونحمد الله بأن القيادة العليا مدركة لدور الانضباط في تحقيق التطور والرقي، (لأن حضارة الأوطان هو عمل مستمر لا يعرف النهاية، وهو يشمل كافة مستويات العمل الوطني).
ويضيف سمو الأمير: (ليس عيباً ان نعترف بأننا تأخرنا في بعض الميادين ولكن العيب كله ان نظل اسرى للفرص الضائعة ونحن قادرون على ما نريد)..
ولا تخلو تصريحات بقية المسؤولين من التأكيد على علو القانون وسواسية القوم أمام العدالة، كل ذلك يعود الى الاقتناع بأن أهل القرار ـ مثل غيرهم ـ يعانون من افرازات ثقافة الاستهتار التي تفشت الى حد صرنا نقرأ التقارير اليومية عن الجرائم في الكويت، وكأننا في بيئة كلها اجرام واعتداءات.
نقرأ عن مجموعة من البدون ومواطن يمني تحاول نحو مواطن سعودي بالسيف والسكاكين في مستشفى الجهراء...
ـ واحد مراهق طائش يلاحق فتاة في سيارتها في شارع الخليج يضايقها فتنقلب السيارة على عائلة مصرية على رصيف الطريق.
ـ ثلاثة مصريين يحاولون خطف يمني بحوزته 25 ألف دينار.
ـ انتحال صفة مباحث من أحداث من خليط من جنسيات.
ـ سوريان يسرقان سيارة شرطة من عنصرين من رجال الأمن ويهربان بها.
ـ تطاولات على رجال الشرطة، وضياع الهيبة التي يمثلها رجال الأمن.

ولائحة يومية من التقارير عن ضعف الإدارة وغياب الإرادة.

ثانياً: كيف تعيد الكويت حيويتها المنضبطة وتستعيد هيبتها المفقودة؟، بالإرادة فقط، وصلابة الإدارة وقرار السلطة هذه هي الوصفة التي ينتظرها الجميع، والالتزام بالصلابة والحزم، دون التنازل أمام الواسطات والزيارات المؤذية التي يقوم بها بعض أعضاء مجلس الأمة، وبعض المتنفذين لإقصاء القانون وتقويض دولة الانضباط التي يريدها سمو الأمير .
ونقرأ كثيراً عن زيارات بعض النواب إلى المخافر للتضييق على رجال الأمن، الذين يحتاجون إلى غطاء ودعم، ونعترف بأن غياب هذا الغطاء وغياب المؤازرة والحماية أفادت كثيراً نواب الوساطات ومساعديهم في التطاول على هيبة القانون.
ويجب أن تدرك السلطة بأنه لا مجال إلى التراجع أمام الصيحات والاحتجاجات والانتقادات.
نرى ذلك الآن في حملة إزالة المخالفات على أراضي الدولة التي تقوم بها مجموعة مؤهلة من أبناء الوطن ويترأس هذه المجموعة الفريق محمد ا لبدر المواطن الشريف الذي عاش دائماً في وجه العاصفة.
قلت للفريق محمد البدر بأن أمة المنتفعين ـ لا تحب القوانين ـ ليس فقط في الكويت وإنما في كل دار في العالم، ولكن السلطة لا تعيش بدون فرض القوانين، من يحب الضرائب من الشعوب؟، ومن يحب الحروب؟، ومن يحب الذهاب إلى المخاطر؟، لكن، هناك إملاءات الوطن وقوانينه، وواجبات المواطنة تفرض ذلك على كل مجتمع.
هناك من يتساءل عن مصير تجار الإقامات الذين زوروا وعبثوا بالأوراق الرسمية، وهناك من يستفسر عن مصير الاعتداءات على أراضي الدولة، وهناك من يتذمر ويلعن ويحترق من تفشي الفساد في ا لدوائر الرسمية وغير الرسمية، بحيث لا تتم معاملة دون رشوة تقدم، وهناك صرخات عن الانهيار العام والتمرد على الالتزام بالعمل وبمواعيده.
ثالثاً: يقول سمو الأمير: (لابد أن تتحمل الأجيال مسؤولياتها الوطنية في بناء مستقبل الكويت، فإنني أخشى أن تسبقنا شعوب ليس لها إمكاناتنا ولا وسائلنا وليس عيباً أن نعترف بأننا تأخرنا في بعض الميادين ولكن العيب كله أن نظل أسرى الفرص الضائعة ونحن قادرون على ما نريد).
نحن قادرون إذا انضبطنا والتزامنا وعملنا واحترمنا وخفنا من عواقب الاستهتار، مع التصميم على بناء مجتمع خال من ثقافة الاستهتار، لأن أبجدية الحياة أن الإبداع لا يتم في بيئة الفوضى ولا ترتفع الأوطان وتتفوق في جو تسوده اللامبالاة وعدم الاكتراث.
وهنا يتحدث سمو الأمير قائلاً: (أهيب بكل فرد منكم أن يترجم فهمه لمعنى المواطنة الصالحة إلى سلوك عملي يومي يعكس حبه الحقيقي لدينه ووطنه، ويظهر التزامه بقوانين بلاده ومحافظته على بيئتها ومرافقها العامة).

جماعية الانضباط هي التي تدفع التفوق، فالشعوب الملتزمة تتصدر دائماً طليعة المبدعين، نراها عند الألمان المعروفين بالالتزام وعند شعوب آسيا (الصين واليابان وسنغافورة) التي لا تملك الموارد الطبيعية لكنها تفوقت بسيادة القانون، فالقيادة القادرة لا تهتم بالمعارضين الذين لا يحبون القانون، ويريدون الامتيازات على حساب الصالح العام.
رابعا: المساواة امام القانون لا تنحصر فقط في قضايا الامن والاستقرار وانما يتعداها الى الشأن السياسي وتبعات القرار السياسي للدولة، شاءت اقدار الكويت ان يتيح الدستور الكويتي لاي نائب خلق بيئة سياسية متوترة عبر الاسئلة المتواصلة، وعبر الاستجوابات المتتالية التي تشغل الحكومة واجهزتها وتبدد جهودها وتدفعها نحو المساومة السياسية بالتنازل، وقبول انصاف الحلول على حساب المصلحة العامة، وصارت التسويات السياسية ظاهرة كويتية معروفة امتد اثرها الى المجالات الحياتية الاخرى بتخفيف وزن المخالفات واسقاطها، او اللجوء الى حلول قبلية وعشائرية تؤدي الى تآكل القانون، وتضيف الى ثقافة الاستهتار.
ولا شك أن الوضع السياسي الكويتي الذي لا يوفر اغلبية برلمانية حكومية تمكنها من قيادة البلد، دفع اصحاب القرار الى تقديم المنح السياسية والمكافأة من اجل الحصول على عدد يساعدها في تمرير القانون ويسكت المعارضين.
لكن هذا الوضع المزعج ينحسر اذا ترافق الحزم مع الشدة في تطبيق القانون وتزامن ذلك مع الشرح والحوار مع الرأي العام الذي يقدر المصلحة العامة.
لا يمكن تجاهل واقع القيادة في ندرة ممارسة حقها في التحاور والحديث المباشر مع المجتمع، فمن واجبها ان تشرح وتبرر طالما ان هدفها حماية القانون وفرض الانضباط.
فلا يمكن فصل الحزم الاجتماعي عن الحزم السياسي فالقانون لا يستجيب للانتقائية، وهيبة الدولة لا تكتمل في ممارسة الاستنساب في تأهيل المجتمع للانضباط وفرض ثقافة القانون، مع تمييز في ممارسة التطبيق.
ولهذا فعندما نتحدث عن سواسية العدالة وشمولية الانضباط لا يمكن تجاهل الجانب السياسي واهميته في تطبيق الضوابط والقواعد التي تشكل اساس المجتمع المثمر والصالح الذي نتمناه والذي تحدث عنه سمو الامير.