الثلاثاء 13 فبراير 2007

خيري منصور


الأخطر مما يحدث الآن في ثلاثة أقطار عربية هو التأقلم القومي مع هذا الطارئ الذي قد يتحول إلى أمر واقع، ثم يندرج كما اندرج سواه في قائمة المألوف اليومي. فالحياة مستمرة برتابتها المعهودة في هذا العالم العربي وكأن شيئاً لم يكن، أو أن هذا الذي يحدث على نحو كارثي هو مجرد عرض جانبي لتحولات اجتماعية وحراك سياسي اعقب حالة من الاستنقاع والعطن دامت عقوداً.. وكانت قوة الاستمرار هي ما يدفع الحياة وليست الديناميات الذاتية أو المبادرات الحيوية.

ونحن ندرك ان ما من حادث في التاريخ غير مسبوق بما يماثله أو يتجاوزه، لكن الجديد دائماً هو كيفية التعاطي مع الحدث، وقراءته في سياقه التاريخي، والقراءات الاجترارية المتعاقبة هذه الأيام لما يحدث فلسطينياً ولبنانياً وعراقياً، تبدو أشبه باستعادة كاريكاتورية لما قيل من قبل، وما عولجت به ظواهر لم يكن لها هذا الحجم وهذا النفوذ.

وإذا كان الغلاة ممن يحولون حبة الرمل إلى قبّة قد نفخوا في القربة حتى ثقبوها، فإن هواة التسطيح، حولوا نزيف الدم إلى مجرد وَعْكة قومية، يتم تخطيها بقليل من المجاملات والعناق الدبلوماسي الموسمي والكاذب.

والشعوب التي تقول أمثالها المقطرة من عذاباتها وغيظها المكظوم إن الكيّ هو آخر الدواء، لا تزال تتعاطى جرعات من التخدير الموضعي المؤقت، ومن قال حكماؤهم ان وجع ساعة، خير من وجع ألف ساعة أو درهم وقاية خير من قنطار علاج، لم يترجموا هذه المواعظ إلى عمل وممارسات ميدانية، وما ندفعه الآن من أثمان باهظة هو تسديد مديونيات تراكمت خلال عقود طويلة، لأن التأجيل والتسويف كانا على الدوام عوامل اجهاض لكل ما كان على وشك الولادة.

ويخطئ من يظن أن خلافاً أيديولوجياً مهما بلغ يفضي إلى هذا الانتحار، فلا بد من وجود أسباب أخرى هي من صميم السايكولوجيا لهذه الشعوب التي هربت من الصراحة والمواجهة إلى تدليك العواطف، والإخوانيات وبالرغم من بلوغ الداء مرحلة قد يتعذر معها الشفاء لا يزال هناك أناس يتعاملون مع القضايا المصيرية لأوطانهم على طريقة الدب الجاهل الذي أراد انقاذ صاحبه النائم من الذبابة، فشج رأسه بحجر ثقيل ولاذت الذبابة بالفرار ونجت، أما صاحبه فقد هلك.

لا نريد أن نحب أوطاننا بهذا الشكل الأخرق ولا أن نتعامل مع دمنا المسفوح والمهدور باللامبالاة والتبسيط اللذين أفرزهما عصر الانحطاط، والأنانية المجنونة التي حولت الفرد إلى محور الكون، وصار في نظر نفسه المقياس للخير والشر والسراء والضراء.

وقد تتوصل الأطراف المتنازعة في ثلاثة أقطار عربية إلى مصالحات مؤقتة، بحيث يكون تضميد الجرح مجرد اخفاء له، بلا أي تعقيم أو تطهير، أو تنظيف من القيح المزمن، وفي هذه الحالات، تصبح المشكلات قابلة للتأجيل إلى ما لا نهاية، ولا نعرف في أية لحظة شيطانية تنفجر، وتأتي على الأخضر واليابس.

نحتاج الآن بقوة، وبالحاح لا نعتذر عن تكراره إلى المكاشفة، واجتياز هذه الممرات الرخامية إلى العمق، بحيث يعترف كل طرف بما اقترف من خطايا لحسابه الشخصي، وهو لا يدري ان السفينة التي ثقب حصته منها ستغرق ولن ينجو منها أحد.

لقد ادخلتنا الكولوينالية الجديدة، وذات الاطروحات الملفقة الاشبه بالأفخاخ إلى مرحلة جديدة نصبح فيها غساسنة ومناذرة جدداً ونتولى تهشيم عظامنا نيابة عن الأعداء.

كفى عقاقير مهدئة، ومصافحات ترشح المراوغة من أصابعها، فالكارثة ليست وشيكة فحسب، وها هو وهج نارها يلفح وجوهنا.