تركي السديري

مشكلة روسيا السوفيتية أنها تحالفت مع أصدقاء فقراء، بل أصحاب قدرات متدنية في ثقافة المعالجات الاقتصادية والسياسية، في حين تحالفت أمريكا مع أصدقاء أغنياء، استفادت منهم؛ ولأن منتصف القرن العشرين شهد هبوب رياح يسارية في كثير من مدن العالم، ليس بين فئات المجتمع الفقيرة في العالم الثالث فحسب، وإنما كان المثقف الأكثر بروزاً في فرنسا مثلاً، أو إيطاليا، أو بريطانيا، أيضاً هو المبشر بعدالة اليسار. في حين كان من الصعب أن يعطي جهد أنصاف متعلمين - كما في عدن، أو الحبشة، أو أصحاب رتب عسكرية متواضعة - أي نفوذ لعدالة مرضية للجميع..
ولم يكن الغرب يرفض هذه اليسارية المتطرفة عندما كانت ستؤول بالأوضاع إلى ملاذ غربي بعد التهديم، كالذي حدث في الكنغو، ومثل الذي آلت إليه أوضاع عدد من الدول العربية - التي حكمها العسكر، أو أحزاب اليسار - حتى قيل: إن أسماء الضباط الأحرار كانت موجودة لدى السفير الأمريكي في القاهرة ليلة إعلان الإنقلاب..

عُرفت روسيا السوفيتية بثقافة نشر مبادئ تعدُ بحلم مجهول، حتى ظن الجميع أن الرأسمالية تتجه إلى زوال، فكان الذي حدث عكس ما هو متوقع.. فقد ذهب الإنسان نفسه إلى زوال.. أما رأس المال ومصادر التنوع الاقتصادي فإنها لا تذهب إلى زوال بل يبقى فيها الإنسان القادر على قيادتها، ونشر إمكانات الاستفادة منها..

هنا نأتي إلى مفارقة.. فالغرب قد أوجد مجتمعات غنية وسع فيها فرص الحصول على الثروة، وفرض أنظمة تستدعي رعاية من هو في وضع خاص، سواء في تأمين فرص العمل، أو في القدرة الشخصية على أدائه. أما في الدول التي هي خارج مجتمعاته، فلم تهتم واشنطن بأن توجد دولاً حليفة لها تلاحظ فيها سياسات تصاعد دور رأس المال، في تصاعد قدرات الفرد المادية، والعلمية، وقبلهما التعليمية..

ومع أن روسيا لا تحترف خلق رأسماليات بين أغنياء، وإنما صرفت قدراتها بين أشباه فقراء، تترك لهم فرص القيادة ثم الانقياد.. وقد كانت هناك عبارة شهيرة - ربما لخروتشوف أو بلقنين - مضمونها أن موسكو ترى إيران تفاحة تنتظر سقوطها في الكف، ذلك يحدث، بل حدث أن وقعت في فخ أفغانستان؛ الذي تحالفت فيه أمريكا مع أعدائها اليوم.

وقد جاهرت الأصوات بأن الأمريكيين تخلوا - إن لم نقل عن حلفاء لهم - فعن متعاونين معهم، والنموذج في ذلك عزل شاه إيران من أي قدرة أو مقاومة، ثم القذف بصدام حسين بعد أن أدى دوره في الحرب ضد إيران؛ ليكونا معاً في موقع ضعف عسكري واقتصادي ملحوظ.. وفي أمريكا الجنوبية شواهد أخرى كثيرة..

روسيا تخرج - الآن - على العالم بضرورة تعدد الأقطاب، حسب تصريحات الرئيس بوتين الأخيرة، وأنه يجب أن تستعاد شرعية قرارات الأمم المتحدة، وليس حلف الناتو، والالتزام بالقوانين الدولية، وليس بمصالح الدول الكبرى..

إن هذه المتغيرات، حتى ولو كان في بعضها مكاسب حروب، إلا أنها تشتت القدرة الأمريكية، وتعطي إيحاءً بتعدد الأقطاب، حيث بات واضحاً أن نهاية مضمار السباق الدولي ليس إلا مصالح اقتصادية.