سمير عطا الله


quot;فالمشكلة ان النيات الحسنة وحدها لا تكفي. والمجتمع المتوسط الوعي ينقسم عادة في داخله الى مجموعة من الخلايا العمياء التي لا علاقة بينها، سوى انها، بحكم ظروفها السياسية تعيش داخل حدود واحدة. والكاتب هو رجل مهنته الحلم بالدرجة الاولىquot;. .. (
الصادق النيهوم)

عام 1960 كنت في بداياتي الصحافية، محررا صغيرا في القسم الخارجي في quot;النهارquot;، دون العشرين، ودون المعرفة. وفي ذلك العام توالت الاستقلالات في افريقيا وتوالت معها الحروب الداخلية. وكانت افريقيا بالنسبة الى المراهقين موضع تندر. وسرت نكتة تروي انه عندما قيل لاهل الكونغو ان الاستقلال آتٍ، خرجوا الى المطار ينتظرون وصوله. كان اللبنانيون يشعرون ان في امكانهم السخرية من العالم اجمع. ويومها كتب جورج نقاش، الحاد الانف، الحاد النظارتين، الحاد الذكاء، كتب يقول: quot;الحل في البلقان سهل. فمساحة بلاد البلقان توازي مساحة البحر الاسود. احملوا البلقان وارموه في البحر الاسودquot;.

خريف ذلك العام ذهب الرئيس صائب سلام لحضور الجمعية العمومية للامم المتحدة. وكمثل عادته وكمثل معرفته باهمية الصحافة (المسماة الآن الاعلام، وكأنها صناعة مخبرين او ناقلين) اخذ معه عددا من الزملاء، بينهم ميشال ابو جودة. ومن نيويورك رأى صائب سلام (وصحافيوه) لبنان في حجم العالم. فقد التقى نيكيتيا سيرغييفيتش خروشوف في جناحه. وعانقه فيديل كاسترو، ايام الزمن الغيفاري الحالم وقبل زمن التسلط حتى الموت. واستقبله جون كينيدي قبل التحدر الى عصر جورج بوش. وكبرت القرنفلة في عروة صائب بك. وتبادل الهدايا مع خروشوف (دبس خروب من هذا الجانب، وكافيار بيلوغا روسي باب اول، من ذاك) وقال لكاسترو ممازحا، انه افضل مندوب للسيجار الهافاني في العالم.

في هذا الجو الممتع بكل شيء، وخصوصا بخريف نيويورك ولطائف ايلول وتزاحم اهل الامم، حصلت على مداخل المبنى الازرق، الحادثة الكبرى. جاء من الكونغو وفدان: واحد يمثل باتريس لومومبا، ساعي البريد الذي اصبح رمز الاستقلال، وآخر يمثل مويس تشومبي، رمز quot;الاونيون مينييرquot; والمصالح البلجيكية. وكما تقاتل الفريقان في ليوبولدفيل (لاحقا كينشاسا) وفي كاكانغان هكذا راحا يتقاتلان في الجادة الاولى من مانهاتن: انت خائن لا تمثل احدا وانت عميل تمثل الاتحاد السوفياتي والشيوعية الدولية. لا. انت عميل لا تحب بلدك. انت مع السي آي إي وانت مع الكي جي بي.

كتب ميشال ابو جودة يومها واحدا من اشهر مقالاته: quot;نيويورك في العصر، ولومومبا في الأسرquot;. ووصف، ساخراً، ومالحاً، وحامضاً، ومراً، كيف ان الدنيا تسير الى الامام والكونغو يشد به زعماؤه الى الغابة.

عندما وجه لبنان رسالتين الى الامم المتحدة عن المحكمة الدولية، واحدة من رئيس الوزراء، واخرى من رئيس الجمهورية يطلب فيها عدم الاخذ برسالة رئيس الوزراء، لانه غير شرعي، لم اتمالك ان اتذكر الكونغو. بماذا غير الكونغو، يمكن ان نقارن ما حصل؟

ما هي السابقة الاخرى، غير سابقة الكونغو، التي عرفتها الامم المتحدة؟ لقد تابعت كصحافي دورات الجمعية العمومية منذ 1973 حتى اوائل التسعينات. وعرفت، على مسافات متفاوتة، السادة الامناء من كورت فالدهايم الى بطرس غالي، الذي استدعاني ذات صيف الى حر نيويورك في اغرب دعوة تلقيتها. فقد وقع الباشا وكسر ساقه وأرغم على ملازمة المنزل. وذات يوم كان عنده مساعده الزميل سمير صنبر، فتذكر الاسم بالجناس، وقال له بلغة الباشوات quot;طب ما دام ما فيش حاجة نعملها، مش يجي صاحبك ياخد المقابلة وخلاصquot;. وكان جوابي لزميلي وصديقي quot;اذهبُ عندما يتعافى الباشا. لا احب مشهد السيقان الملفوفة بالجفصينquot;.

على رغم الحرب التي اذلت الناس، كان اللبناني لا يزال يشعر ان من حقه ممارسة نوع من الخيار. وعلى رغم الود الذي جمعني بالباشا الظريف والعاقل والبالغ الشجاعة، شعرت انه لا يجوز ان ابدو كأنني صحافي quot;غب الطلبquot;. فقد كانت الامم المتحدة، بالنسبة إليّ، آخر ساحة يمارس فيها اللبناني حقوقه الانسانية كاملة، حتى لو كان ضحية. انها المؤسسة الوحيدة التي لا يحق لها ان تنظر الى الخاسرين على انهم فقدوا الحقوق البشرية الاساسية في الحرية والاعتبار والحياة.

كان لبنان يقف على حافة النهاية. الجميع ينتظرون اعلان الوفاة ولا شيء آخر. وأردت مرة الحصول على تأشيرة الى فرنسا لمدة اسبوع فلم توافق القنصلية الفرنسية الا بعد كفالة شخصية من مندوب الكويت عبدالله بشارة. ولكن في تلك المرحلة بالذات كان سفير لبنان، غسان تويني، يذهب الى مكتب الامين العام خافيير بيريز دي كويار، وكأنه سفير اميركا او الاتحاد السوفياتي. وكان يضرب بيده البيضاء، المليئة نمشا، طاولة السنيور دي كويار. وذات مرة خرج من ذلك المكتب ومعه القرار 425. وكان اليوم يوم أحد.
لم يكن وباء الكونغو قد ضرب لبنان بعد. ثقافة الحكومتين والشرعيتين وقيادتي الجيش.

ولكن على سوء ما حصل في الحرب، لم يكن الوباء الكونغولي قد استفحل طاعونا اسود كما اصبح اليوم. ولم يكن الانحطاط قد بلغ بالناس ما بلغ فلم تعد تلاحظ عماها ولم تعد تدرك عمق المسافة التي قطعتها في رحلة الظلام والعتم والفجور.

رسالتان الى الامم المتحدة من بلد واحد في موضوع واحد؟ ورأس الحكم يتهم رأس الحكومة باللاشرعية؟ هل كتب لنا ان نستحي حتى من الكونغو؟ وكتب لنا ان تكون quot;اللبننةquot; أسوأ بكثير ndash; حارة او باردة ndash; من البلقنة التي رأى جورج نقاش ان حلها يكون بالرمي في البحر الاسود، ايام كان الزمن زمن جورج نقاش وذلك الصف الطويل، الطويل، اللامتناهي، من الالمعيين والمتقدمين عصورهم؟

كان الكونغو واقعا على درب العالم ومفترق القوى. وكل قوة تريده لها دون سواها. ولذلك تشلع في الاطراف وتمزق في الوسط. واعتبرت موسكو وواشنطن ان انتصار لومومبا او تشومبي او كازافوبو سوف يرسم الشكل المقبل للحضارة الانسانية. ووسط هذا الصراع تسلل رقيب اول يدعى جوزف موبوتو وسمى نفسه جنرالا ثم اختار ذلك الاسم الوطني الشهير: سيسي سيكو كوكو نغبندو وا زا بانغا. وترجمتها المختصرة، الفحل. وتفسيرها الحرفي الديك الذي لا يترك دجاجة تفر. او شيء من هذا القبيل. ولكي تكتمل سعادة افريقيا واستقلالها وحريتها، دعا سيسي سيكو، محمد علي كلاي وجورج فورمان الى مباراة في العاصمة، ورفعت على مدخل الملعب (البلدي) لافتة تقول: quot;مباراة بين اسودين في امة سوداء تعلن انتصار الموبوتيةquot; او السيسي سيكوية.

لقد انتقلت افريقيا مع المهرجين الجدد من بلاد الاعماق الى البلدان الميتة التي ليس فيها من مظاهر الحياة سوى خدر الالفاظ. وقد بدأ موبوتو مسارا لم ينته حتى اليوم: تفريغ الثروة وتفقير الناس وتكديس الحروب. وقد انتهى الاتحاد السوفياتي وانتهت حروبه بالواسطة مع اميركا، وحصر جورج بوش عملية نشر الديموقراطية وانقاذ العالم في العراق وافغانستان، وما زال الكونغو يتقاتل. عصر الفحولة مستمر. وفقر الكونغو يتسع وقتلاه يدفنون بلا اسماء وبلا نعي وحتى بلا ذكر في صحف العالم، او في احصاءات الامم المتحدة، او في كتاب quot;غينيسquot; لحروب الهباء وشعوب البلاد.

اواخر الستينات سافر الزميل حافظ ابرهيم خيرالله الى الفيليبين وعاد. وسألته عن انطباعاته، فقال: quot;بلاد جميلة لكن التخلف ضارب اطنابه. كل سياسي له موكب. وكل صاحب ثروة له مواكب. وكل بستان عليه حراس. وكل حزبين بينهما جيش فاصل. وكل اثنين بينهما اجنبيquot;.

وكان يومها كميل شمعون وبيار الجميل وريمون اده يقودون سياراتهم بانفسهم في شوارع بيروت وصيدا والجبل. فلما اسهب حافظ ابرهيم خيرالله في وصف المواكب استوقفته مستوضحا غير مصدق: quot;أف. الى هذا الحد!quot;. فهز رأسه موافقا. وكان ذلك قبل ان تتحدر الازمنة من كميل شمعون وبيار الجميل وريمون اده الى ذوي المواكب التي تعتدي على الساهرين. المجد للكونغو. والرحمة لجميع من غاب وتركوا لبنان في هذا الغاب.