خير الله خير الله
كان نزول اللبنانيين بمئات الآلاف إلى ساحة الحرية وسط بيروت إحياء للذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري أفضل رد على الذين ارتكبوا جريمة تفجير الباصين في منطقة المتن. أدرك اللبنانيون بحسهم السياسي المرهف أن التفجيرين الإرهابيين اللذين استهدفا باصين صغيرين في منطقة المتن الشمالي اللبنانية يندرجان في سياق الضغوط الهادفة إلى منع البلد من التقاط أنفاسه. لقد قرر اللبنانيون بكل بساطة متابعة المقاومة والاستمرار في الصمود. يفعلون ذلك، لأنهم يدركون أن المطلوب متابعة الضغوط ذات الطابع الإرهابي على بلدهم والذهاب بها إلى النهاية كي يستسلموا ويتوقفوا بالتالي عن أي مقاومة لعودة الوصاية السورية. عليهم قبل أي شيء آخر نسيان المحكمة ذات الطابع الدولي التي ستنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ولذلك، وقع الانفجاران اللذان أراد الطرف الذي يقف خلفهما قتل أكبر عدد من المدنيين في قلب المنطقة المسيحية عشية الذكرى الثانية لاستشهاد رفيق الحريري وبعد أيام من موافقة الأمم المتحدة على إقرار نظام المحكمة ذات الطابع الدولي.
جرت العادة أن تُرتكب جريمة ما كلّما حصل تقدم على طريق تحوّل المحكمة إلى حقيقة. اغتيل الزميل جبران تويني في الثاني عشر من (ديسمبر) كانون الأوّل من العام 2005 لدى بدء بحث مجلس الوزراء في نظام المحكمة الدولية. وفي الواحد والعشرين من (نوفمبر) تشرين الثاني 2006، اغتيل النائب والوزير بيار أمين الجميل في وضح النهار لدى اجتماع مجلس الوزراء للموافقة على المحكمة الدولية. وكان مفترضاً اغتيال شخصية ما بعد إقرار الأمم المتحدة لنظام المحكمة الأسبوع الماضي.
هذه المرة شاء الساعون إلى إلغاء المحكمة الدولية الذهاب إلى أبعد في التصعيد. ربما لم يجدوا سياسياً يقتلونه بسهولة، فأجلوا فعلتهم لمرحلة لاحقة. لكن الثابت أنه لا بد من عمل ما يُقدم عليه المجرمون يصب في سياق ما هو متبع منذ اغتيال رفيق الحريري بهدف التغطية على الجريمة. وهذا ما يفسر إلى حدّ كبير اختيار هدف سهل من نوع قتل مدنيين عن طريق زرع عبوتين في باصين ينقلان ركاباً من بلدة بتغرين مسقط رأس وزير الدفاع السيد إلياس المر إلى الساحل. وبغض النظر عن نية التصعيد، يبدو اختيار المكان، أي منطقة المتن، رداً على موقف إلياس المر من شحنة السلاح التي صادرها الجيش اللبناني قبل أيام في طريقها إلى بيروت وأعلنَ لاحقاً أنها صارت في الجنوب في عهدة الجيش اللبناني؟ ولكن، هل اختيار المتن ردّ أيضاً على الزيارة التي قام بها الرئيس أمين الجميّل لواشنطن ولقائه الرئيس بوش الإبن وكبار المسؤولين الأميركيين، ثم اجتماعه في نيويورك بالأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. وقد عُومل أمين الجميل في العاصمة الأميركية معاملة رئيس دولة، كذلك في نيويورك، في ما الأسرة الدولية لا تعترف بالرئيس الحالي إميل لحود، وهو من المتن مثله مثل أمين الجميل، كونه أداة سورية وكون ولايته مُمدة قسراً عبر ممارسة الإرهاب ليس إلاّ.
أكثر من ذلك، هل اختيار أرض المتن محاولة جديدة لخلق فتنة مسيحية - مسيحية بعد فشل المحاولات التي بذلت الشهر الماضي من أجل تحقيق هذا الهدف عندما فشل الإضراب الذي دعا إليه النائب ميشال عون حليف laquo;حزب اللهraquo;، بالإيجار طبعاً، وإحدى أدوات النظام السوري بعدما تبيّن أن laquo;الجنرالraquo; لا يستطيع السيطرة على الأرض في المناطق المسيحية. أكثر من ذلك، تبيّن أن هذه المناطق انتفضت في وجهه وفي وجه كل ما يمثّله ولم تعد لديها أي أوهام في ما يتعلّق بشخص لا علاقة له بالمصلحة اللبنانية. من هذا المنطلق، يبدو منطقياً أن بين أهداف العمل الإرهابي إعادة نوع من الهيبة إلى laquo;الجنرالraquo; الذي بات في حاجة إلى من يرفع له معنوياته عن طريق إقناعه بأن هناك من يدعمه من داخل المنطقة المسيحية بدليل أن هناك اليوم من يفجر مثلما كان هناك من يستطيع اغتيال بيار أمين الجميل في وضح النهار!
تجمعت عوامل كثيرة من أجل أن يكون التصعيد في المتن حيث أحزاب تابعة للأجهزة السورية تستطيع التحرك بسهولة عن طريق عناصر مسيحية من أبناء المنطقة أو المقيمين فيها. كان لا بد للنظام السوري من استخدام الأحزاب التابعة له في المناطق المسيحية، في ضوء التعليمات الإيرانية الموجهة إلى laquo;حزب اللهraquo; بأن عليه تفادي افتعال فتنة شيعية - سنّية من منطلق أن مثل هذه الفتنة لا تخدم استراتيجيته، أقله في المرحلة الراهنة. ولهذا السبب وليس لغيره يمتنع laquo;حزب اللهraquo; حالياً عن تكرار ما حصل في الخامس والعشرين من الشهر الماضي في حي طريق الجديدة في بيروت وفي الشوارع المحيطة بالجامعة العربية.
ولكن يبقى العامل الأهم من المكان الذي هو المتن، ذلك المتمثّل بتوقيت العمل الإرهابي الذي جاء قبل أربع وعشرين ساعة من نزول اللبنانيين إلى وسط بيروت لإحياء ذكرى مرور عامين على اغتيال رفيق الحريري. كان منفذو الجريمة يعتقدون أنه لن يمر أسبوع إلا وقد نسي اللبنانيون الرجل الذي أعاد وضع بلدهم على خريطة المنطقة والعالم وأعاد لعاصمتهم بريقها كإحدى أجمل المدن على المتوسط. مرت مئة وأربعة أسابيع وقضية رفيق حيّة أكثر من أي وقت, رفيق الحريري في ضمير كل لبناني شريف أكان مسلماً أو مسيحياً، أكان سنّياً أو شيعياً أو درزياً أو مارونياً أو أرثوذوكسياً أو بروتستانتياً...
بعد عامين على الجريمة، لا تزال قضية رفيق الحريري حيّة ولا تزال الشرعية اللبنانية ممثلة بالحكومة تلاحق القضية وتعمل من أجل أن تكون هناك مرجعية لبنانية للمحكمة ذات الطابع الدولي. أليس ذلك سبباً كافياً لزرع الموت والدمار في لبنان؟ أليس ذلك سبباً كافياً لقتل مزيد من اللبنانيين الأبرياء الذين ذنبهم الوحيد أنهم من المتن، وأن عليهم ركوب الباصات للانتقال إلى أعمالهم لأنه ليس لديهم راتب يأتيهم من laquo;حزب اللهraquo; المموّل من إيران؟ لا بأس من نقل التجربة العراقية إلى لبنان... ما دام هناك من يصر على المحكمة ذات الطابع الدولي، ويدرك أنها السبيل الوحيد المتوافر لوقف مسلسل العنف والقتل والدمار والظلم في لبنان! إبحثوا دائماً عن المحكمة الدولية. كم عدد الذين الذين سيذهبون ضحية المحكمة الدولية التي يسعى قتلة رفيق الحريري إلى عدم قيامها بأي ثمن، حتى لو كان الثمن فتنة شيعية - سنيّة في لبنان؟














التعليقات