السبت 17 فبراير 2007
اندي رويل ـ سبين ووتش
تشهد البشرية مع مطلع كل يوم دنو وباء عام قد تحل جائحته قريباً بساحتنا فتحصد أرواح نحو عشرة ملايين انسان. وفيما جرت مؤخراً غربلة واسعة للديكة وتمت إبادة 160 ألف ديك رومي في المملكة المتحدة، انتاب الناس مجدداً قلق بالغ وسكنتهم الهواجس من أن فورة الوباء هذه وتفشيه يمكن ان يكونا العامل الحاسم المسبب لوباء الإنفلونزا، لا في أوساط الطيور بل بين بني البشر.
وها قد قضت انفلونزا الطيور على ملايين الطيور الداجنة في جميع انحاء الدنيا، كما قتلت أيضاً نحو 165 شخصاً في أرجاء العالم، لكنّ هذه الوفيات إنما طالت عمّال المداجن الذين كانوا على تماس مباشر مع الطيور، وما يقلق الناس جميعاً في الحقيقة ويشغل بالهم هو أن يطرأ تحوّل على فيروس انفلونزا الطيور، واسمه العلمي هو ldquo;إتش فايف، إن وانrdquo;، فينتقل من البشر إلى البشر، وهنا تحدث الطامة الكبرى.
وتعتقد منظمة الصحة العالمية أنه إذا حدث هذا فسوف يموت نحو سبعة ملايين انسان بسبب انفلونزا الطيور، ويجادل خبراء طبيون آخرون بأن عدد الوفيات سيتجاوز هذا الرقم بكثير، ويمكن ان يلقى نحو 60 مليون شخص حتفهم جراء هذا الوباء، والفئات التي يرجح ان تعاني أكثر من غيرها، إنما هي الشباب والعجائز ومن هم مكشوفون أمام الجوائح معرضون للبلوى، أي هم الفقراء بالطبع العاجزون عن درء الأذى عن أنفسهم وذويهم، ويرجح ايضاً أن يكون قرابة 96% من الضحايا من البلدان النامية.
وعلى مدى السنوات التي خلت رفع الخبراء عقيرتهم بالتحذير من أن هذه مصيبة كبرى توشك أن تنقض على البشرية وتخلف ويلات وفواجع. وهي في جوهرها مصيبة من صنع أيدينا، ولم تظهر في أرجاء المعمورة إلا بما كسبت أيدي الناس، ونحن نشهد مرة أخرى الوجه الكالح والمقيت للزراعة التكثيفية المعولمة (الطريقة التي تهدف إلى زيادة انتاجية الأرض عن طريق زيادة رأس المال واليد العاملة المخصصين لها)، ونتجرع مرارة هذا التردي والجانب البشع، بل وربما المهلك لهذه التقنيات المعولمة، وخلال هذا الشهر جاء الدور على بريطانيا لتخوض غمار أول فورة كبرى وتفش لفيروس انفلونزا الطيور المهلك.
وتقترب جحافل هذا الوباء رويداً رويداً وتدنو من حمانا يوماً بعد يوم مهددة بانتشار على أوسع نطاق، ويقال إن فيروس انفلونزا الطيور يتفشى في كثير من بقاع آسيا ويتحفز لمداهمة بقاع أخرى في العالم. وقد طالت شرور انفلونزا الطيور 13 بلداً أوروبياً منذ بداية العام الماضي، واندلعت مؤخراً ثورات لانفلونزا الطيور في كلّ من كوريا واندونيسيا وتايلاند واليابان وروسيا ونيجيريا والمجر والصين ومصر. ويعتقد الخبراء أن ثمة مخاطرة حقيقية في الاستهانة بهذه المشكلة وتجاهل ما تفرزه من مخاطر.
كارولين لوكاس عضو في البرلمان الأوروبي عن حزب الخضر، تقول ان الحكومة تنظر في الاتجاه الخاطئ ويجب ان تنعم النظر وتتدبر وتدرس سياستنا في الزراعة وقطاع التصنيع الزراعي، كما تقول لوكاس إن انتاج الديك الرومي بأساليب الزراعة التكثيفية المعولمة في بيرنارد ماثيوس معادل ldquo;لمزارع مصانع الفيروساتrdquo;، وليس ثمة من شك في أن تربية عشرات الآلاف من الطيور في مثل هذه الظروف الدافئة والحظائر المكتظة يفاقم المشكلة.
وفورات مرض انفلونزا الطيور مؤخراً في أوروبا، في بلدان مثل فرنسا وألمانيا والمجر وهولندا تركزت حول طيور في المداجن التجارية التكثيفية، وهي مؤسسات محفوفة بمخاطر جسام.
فعلى سبيل المثال، ينظر في كثير من بقاع آسيا إلى انفلونزا الطيور على أنها وباء، ونشرت تايلاند مؤخراً تقارير عن ظهور حالات جديدة للمرض. ومع ذلك فإن اكبر شركات تايلاند العملاقة للإنتاج الزراعي والغذائي، وهي شركة شاروين بوكفاند قد جعلت نصب عينيها غاية كبرى أعلنت انها ستنطلق لتحقيقها بكل دأب ومثابرة وحماسة، وتتمثل في أن تصبح هي ldquo;مطبخ العالمrdquo;.
ولكن كيف توفق شاروين بوكفاند بين كونها أكبر مصدّر للدواجن من خامس بلدان العالم من حيث صادرات الدواجن وبين حقيقة جاثمة أمامنا، وهي أن تايلاند ما تزال تتخبط في متاهة وباء انفلونزا الطيور؟ فلديهم هناك استراتيجية عمل اقتصادي تقوم على التوسع الدولي في استخدام طرق الزراعة وتربية الدواجن التكثيفية المعلومة، رغم ما تنطوي عليه هذه الأساليب من مخاطر جمة لا يمكن لعاقل أن يتغافل عنها أو أن يتجاهلها.
ومن بين المناطق التي تستهدفها استراتيجية شاروين بوكفاند الاتحاد الأوروبي ودوله، وهكذا، فإننا نعلم علم اليقين أن لوباء انفلونزا الطيور سعاراً في تايلاند، ومع ذلك لا نكترث لحقيقة أنّ اجمالي صادرات تايلاند من الدجاج إلى الاتحاد الأوروبي يمكن ان يصل إلى 200 ألف طن في العام الواحد عمّا قريب، فلربما تكون هذه هي وصفة الهلاك والبوار.
كانت كارولين لوكاس احد الموقعين الأسبوع الماضي، ومعها الاستاذ الجامعي الأمريكي نعوم تشومسكي، والصحافي المحقق المخضرم جون بيلجر على رسالة إلى الصحافة البريطانية تدعو إلى اتخاذ اجراءات عملية جماعية للمساعدة على منع انتشار وباء انفلونزا الطيور:
1- إنهاء امتيازات وبراءات اختراع الشركات التي تحد من حرية الوصول إلى، وحيازة أدوية مصيرية تمس الحاجة إليها وتأبى بذلها بين أيدي الناس.
2- تأمين تمويل طوارئ يقدّمه العالم الثري لدعم وتعزيز أنظمة الرعاية والرقابة الصحية في البلدان الأكثر انكشافاً وعرضة للمخاطر في آسيا وافريقيا.
3- الغاء نظام الزراعة وتربية الدواجن التكثيفية والحدّ من انتشار هذا النمط على نطاق واسع، إذ ثبت أنه يسرّع تطور فيروسات وبائية جديدة.
ومن المبكر القول ما إذا كانت فوعة الفيروس في بريطانيا سوف ينجم عنها وباء انفلونزا بشري، ونأمل ألا يحصل هذا إلا أن علينا أن نتعلم دروسنا الآن وأن نغير أساليبنا الزراعية وإلا فإن ملايين البشر يمكن ان يهلكوا، وساعتها لات ساعة مندم، ولن يكون هناك من هو أحق باللوم منا.
* صحافي وناقد ومحلل سياسي يكتب في قضايا البيئة والاعلام والعولمة، ويشارك في تحرير موقع ldquo;سبين ووتشrdquo; لرصد التضليل الاعلامي.














التعليقات