عبدالله بن بخيت
في فترة العشر سنوات الماضية اهتزت مكانة الورق. أصبح محل جدل على الأقل في قدرته على حمل المعرفة، ظن كثيرٌ من الناس أن الورق الإلكتروني سوف يحل محل الورق التقليدي لما يتمتع به من قدرة ومرونة وتدنٍ في الكلفة. عندما طرحت تقنية الهايبر تكست أعلن صحفي أمريكي في عموده الصحفي في مجلة الماكنتوش عن نهاية الموسوعات الورقية إلى الأبد. كان محقاً في الواقع وما زال توقعه محل احترام، فمعظم الموسوعات تتحول بالتدريج إلى الشكل الإلكتروني. لا تكتفي الموسوعة الإلكترونية بتقديم المعلومة بسرعة وكفاءة فحسب بل تتعداهما إلى أن تقدم بحثاً موسعاً ودقيقاً عن أي موضوع يطلبه الباحث، حتى توقع البعض أن المستقبل ينذر بنهاية البحث العلمي الفردي، يكفي الباحث أن يحدد موضوعه وعناصره وعدد الصفحات ليحصل في دقائق على بحث يتطلب الوصول إليه أشهراً بالطرق التقليدية، والكتاب عدا الأعمال الإبداعية يستفيد من تقنية الهايبر تكست أيما فائدة. يمكن أن يتضمن الكتاب الواحد عدداً من الكتب في نفس الوقت كمرجعيات. يمكن أن يكون الكتاب مكتبة كاملة.
إذا مررت على مصطلح أو كلمة غامضة أو اسم بمجرد أن تضع مؤشر الماوس عليها ستحصل على تفاصيلها أو إحالات إلى مراجع أخرى متوفرة كامتدادات لهذا الكتاب، وعلى الرغم من إحساس المرء بالألم والحزن على حال الكتاب التقليدي إلا أن الكتاب كفكرة سيبقى إلى الأبد وأن تغيرت وتطورت العبوات التي يأتي فيها.
أظن أن التهديد الإلكتروني سوف يصيب الصحف والمجلات في مقتل. أتوقع أن يأتي اليوم الذي تختفي فيه الصحف الورقية أو أن تبقى بصيغتها القائمة لاستخدامات محدودة جداً. ستنتقل الناس إلى قراءة جرائدها المفضلة عبر النت وقد بدأت طلائع هذا التوجه الآن. أعرف كثيراً من الناس وأنا منهم لا يقرؤون الجريدة في عبوتها الورقية. بدأت معي بسبب الحساسية التي تسببها الأحبار وأخيراً اكتشفت أنها أقل كلفة وحاضرة في كل مكان في العالم. لكني شعرت أن هذا التوجه يقود إلى التخصص. لم أعد أقرأ الجريدة كلها كما كنت أفعل في الماضي، فمثلاً لم أعد أقرأ الأخبار في الصحف ولا أطلع على الصفحات الرياضية وقد تخلصت من الصفحات التي كنت أمر عليها مرغماً أثناء تقليبي للجريدة. اتجه فوراً إلى هدفي ثم أغلق الجريدة وأنتقل إلى جريدة أخرى. انتهي من قراءة كل جرائدي المفضلة في أقل من ساعة. لكن ما الذي سوف يحدث في المستقبل.
تستطيع أن تتوقع ما شاء لك التوقع وسوف تفاجأ بأن اتجاه التطور التقني دمر أساس توقعاتك. أتذكر في الثمانينيات من القرن الماضي أنه توقع المستقبليون أن تنتهي فكرة توزيع الجريدة وتحل محلها مطابع النقاط المحلية. أي تبث الجريدة موادها عبر الأقمار الصناعية على نقاط توزيع في كل مكان بما فيها البيوت وتطبع فيها. كل ما في الأمر أن يقوم صاحب النقطة بتزويد مكينته بالورق كما نفعل الآن مع الطابعة المنزلية، ولكن تطور التقنية في اتجاه غير المتوقع ألغى هذه الفكرة من جوهرها بأن ألغى فكرة الورق نفسها. الشيء الوحيد الذي سوف يستفيد وربما يتضرر في ذات الوقت هو حرية الرأي. فإصدار جريدة لن يحتاج بعد الآن إلى تراخيص من أحد وهذا نظرياً سيسمح للجميع بالتعبير عن آرائهم بإصدار جرائدهم الخاصة ولكن من الناحية العملية سوف يجعل الرأي ضائعاً تائهاً بين آلاف الإصدارات. ما سوف يحدث أن هناك لاعبين جدداً سيدخلون الميدان ويحلون مكان اللاعبين القدامى. علينا دائماً أن نتذكر أن العالم يسير بقيادة مهندسي الرأسمالية وهؤلاء يوجههم الربح لا التطلعات الإنسانية أو شغف المعرفة، فلو نظرنا الآن في النت سنلاحظ أن الأصل في كل موقع هو التسويق (التجاري) بغض النظر عن طبيعته حتى اختفت الآداب والفنون والفلسفة وغيرها من الأنشطة الإنسانية غير المربحة. إذا سألني أحد رأيي في المستقبل سأقول بكل حزنٍ إن المستقبل سيكون بقبضة التجار والقيادات الدكتاتورية.













التعليقات