يوسف القعيد

أعرف أن المتهم برئ حتي تثبت إدانته. وحتي يقول القضاء كلمته الأخيرة. التي هي الحكم. وحكم القضاء عنوان الحقيقة. ولكني مضطر للكتابة عن موضوع الجاسوس المصري الذي ضبطته مصر مؤخراً. والذي دفعني إلي استباق الحكم. والكتابة عن قضية ينظرها القضاء الآن. هو دلالاتها. وأولي هذه الدلالات.

أن الإعلام الرسمي المصري عاد ليتكلم عن العدو الإسرائيلي. وتربصه بمصر وتجنيده للجواسيس. واستمراره في هذه اللعبة. رغم سنوات السلام الطويلة. التي تربط إسرائيل بالحكومة المصرية الراهنة. الدلالة الثانية. حرص إسرائيل غير العادي علي استرداد هذا الجاسوس قبل المحاكمة. لدرجة أنهم عرضوا مبادلته بالمصريين المحبوسين في السجون الإسرائيلية. واتصلت وزيرة خارجية العدو بوزير خارجيتنا. تعرض هذه المبادلة. وعرض المبادلة لم تبادر إسرائيل بتقديمه من قبل سوي مرتين. مرة مع الحكومة السورية. مقابل تسلم رفات إيلي كوهين. أشهر جاسوس إسرائيلي الذي أعدم في سوريا. ومرة ثانية خلال سجن عزام عزام. وإن كان إيلي كوهين إسرائيلي. وعزام عزام درزي إسرائيلي. وقد قامت أسرته بتحركات كثيرة. من أجل الإفراج عنه. فإن هذا الولد محمد عصام محمد غنيمي العطار. الذي يبلغ 31 سنة من العمر. يثير الكثير من علامات الاستفهام بسبب الحرص الإسرائيلي علي استرداده قبل محاكمته. مصر قالت أنه لا يجوز استبدال جاسوس بمسجون. لو كان الاستبدال بين جاسوس وجاسوس. ربما يكون هناك كلام. ثم إن مساجين مصر لدي إسرائيل. معظمهم قضي مدته القانونية وسيفرج عنه قريباً. طبعاً إسرائيل كانت تراهن علي مشاعر أهالي المساجين المصريين في السجون الإسرائيلية ومحاولة ضغطهم علي الحكومة المصرية. من أجل أن تتم المبادلة.

محمد العطار. والده حفيد الشيخ حسن العطار. أحد أبطال المقاومة الشعبية المصرية ضد الحملة الفرنسية. وهو الذي أشار علي محمد علي بإرسال بعثات للتدريب في الغرب. ورشح له رفاعة الطهطاوي. لكي يكون في أول بعثة. أي أن حسن العطار يسبق الطهطاوي في التأسيس لنهضة مصر الحديثة. وجده لأمه هو الشيخ محمد الطيب. الذي كان عالماً من كبار علماء الأزهر. أما والده فهو طيار. ووالدته ناظرة مدرسة وأصبحت وكيلة لمديرية التربية والتعليم. وشقيقه الأكبر يعمل في جهاز حساس. من هذه البيئة الوطنية الدينية المصرية العربية الإسلامية. خرج هذا الشاب. صحيح أن والده انفصل عن والدته بعد زواج استمر بضعة أشهر. ولم ير إبنه إلا عندما كان في الخامسة والعشرين. ورفض أن يضمه إليه. وأعاده لوالدته لسوء سلوكه. هكذا قال. وأن أمه تزوجت. والذي رباه هو جده لأمه. الذي كان ينفق عليه. وأن الولد كان ذكياً. ولكنه كان صاحب شخصية انطوائية. كان يدرس في كلية العلوم بجامعة الأزهر. وقبيل مغادرته مصر قرر أن ينصب من خلال الفهلوة. أجر سيارة 128 من مكتب لتأجير السيارات. ثم أجرها من الباطن لطلبة عرب يدرسون في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا. وفي حادث مروع حطمت السيارة. وأصبح عليه تسديد ثمنها. ولم يكن يملكه. فهرب إلي تركيا. وفي تركيا تعرف علي شخص عراقي. الذي أوصله إلي ضابط الموساد في أنقرة.

وبدأت رحلة تجنيده. قال لهم إنه تعرض لحادث اغتصاب في طفولته. وأن لديه ميولاً للدين المسيحي. وأخذوه إلي قسيس وتم تنصيره. وغير ملامحه. شعره أحمر. يضع الصليب في صدره. وبدأ يتجول وسط المصريين المقيمين بالخارج. خاصة الأقباط منهم. قال له الضابط الإسرائيلي كلمة واحدة. لا تسأل. نطلب منك وتنفذ. لكن محرم عليك السؤال. طلبوا منه الرحيل إلي فانكوفر بكندا. سأل من سيكون مسئولاً عنه هناك. قال له لا تسأل. سيصلك من يعرفك بنفسه من خلال كلمة السر وهي: كيف حال الأب جاك؟ بعض فترة قضاها في فانكوفر طلبوا منه السفر إلي تورنتو لكثرة المصريين فيها. وكان قد تقدم بطلب للحصول علي الجنسية الكندية وحصل عليها. وفي تورنتو تعرف علي ضابط الموساد الثالث. الذي يعمل معه. حيث كان الضابط الأول في تركيا. والضابط الثاني في فانكوفر. والثالث في تورنتو.

طلبوا منه الحضور إلي مصر. وذلك بعد تعاون معهم استمر خمس سنوات. من 2002 حتي 2007، ليبدأ التقرب لشقيقه الأكبر الذي يعمل في الجهاز الحساس. حيث ألقي القبض عليه في مطار القاهرة الدولي في اليوم الأول من الشهر الأول من هذا العام. أمام اعترافاته المثيرة والمذهلة. بأنه شاذ جنسياً. وأنه مارس الشذوذ أمام الضباط الإسرائيليين حتي يكسب ثقتهم. وأنهم أعطوه أربع كتب في المنطق ليلخصها مقابل 300 دولار لكل كتاب. كاختبار للذكاء. ثم عرضوه علي جهاز كشف الكذب. وطلبوا منه تقريراً عن أمير سعودي. وأن مهمته كانت تجنيد أكبر عدد ممكن من المصريين. خاصة الأقباط منهم للتعاون مع جهاز الموساد. المحامي الذي كان قد قبل الترافع عنه تنازل عن القضية. ورفض المشاركة فيها. لأن اعترافات عصام لا تترك ثغرة واحدة للدفاع عنه. يتساءل الناس في الشارع عن الجاسوس الذي خرج من رحم عالم كبير ومناضل ورجل من الذين حلموا بمصر المستقبل في أواخر القرن التاسع عشر.

تُري لو عاد الشيخ حسن العطار إلي الحياة ليجد أن إبن حفيده جاسوس للصهاينة. تُري ماذا كان يمكن أن يفعل به؟ أو بنفسه؟ أو بأسرته؟ يُعجب المصريون بمهارة أعين رجال الأمن المصري. ويتساءلون. والأسئلة أحياناً ما تكون مهلكة. هل معني هذا أنه لا يوجد لنا من يتجسس علي إسرائيل؟ أم أننا أكثر مهارة منهم في إلقاء القبض علي كل هذا العدد من الجواسيس منذ معاهدة السلام وحتي الآن؟ توشك أن تكون جاسوساً لكل سنة. هذا ما يعلن. ربما كان هناك جواسيس آخرون لم يعلن عنهم للصهاينة. وهل في العالم الآن ما لا يُعرف وما لا يُدرك حتي يتم تجنيد طالب بكلية العلوم بجامعة الأزهر الشريف. للتجسس لهم مرة في تركيا. ومرتين في كندا.