صالح القلاب
مثلها مثل الأردن فالكويت تقع بين فوهة بركان متفجر هو البركان العراقي الذي يقذف حممه في شتى الإتجاهات وفوهة بركان لم ينفجر بعد لكنه يقترب من الإنفجار في أي لحظة هو بركان المواجهة الإيرانية - الأميركية المتصاعدة .. لكن ومع ذلك فإن الكويتيين يمارسون حياتهم بصورة طبيعية وكأنهم إعتادوا النوم بعد تلك التجربة المريرة ، لا أعادها الله ، عند فتحة جحر الثعابين .
الكل يشعر بالأخطار المحدقة وبالنيران المتأججة في الجوار وبتحول مياه الخليج الى مسرح للإستعراضات العسكرية إنتظاراً للحظة الإنفجار لكن كل شيىء يجري في الكويت يجري وكأن هذا الذي يجري حوله يجري في قارة أخرى فعملية البناء متواصلة والناس يؤمون الديوانيات ويتحدثون بما يجوز ولا يجوز بالطول وبالعرض والشوارع تئن تحت إزدحام حركة السيارات والصحف كل يغني على ليلاه والفنادق تطفح بالمستثمرين والزوار والأعراس والمناسبات .
كل شيىء يجري في الكويت يجري وكأن الحدود الشمالية غير مهددة بهجرة مفاجئة لا شبيه لها إن هي حدثت إلا طوفان تسونامي المعروف الذي ضرب أندونيسيا وبعض الدول المجاورة وكأن كل هذه البوارج التي تحتشد في مياه الخليج على بعد مقرط العصا مجرد لعب كرتوينة وكأن المواجهة المرعبة بين إيران محمود أحمدي نجاد وأميركا جورج بوش لم ترتفع درجة حرارتها في الأيام الأخيرة الى حد أن الحوار بالصواريخ والمدافع الثقيلة قد يبدأ في أي لحظة .
كل شيىء يجري بصورة عادية واللقاء بأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الذي يبدو كربان سفينة لا تغيب عنه لا شاردة ولا واردة يعزز القناعة بأن كل شيىء محسوب حسابه بدون فزع ولا رعب ولا إرتباك وأن هذا البلد الذي إلتقط أنفاسه ، بعد تلك الكارثة المدمرة ، بأسرع مما توقع الأشقاء والأصدقاء والأعداء ماضٍ على الطريق الصحيح بخطىً ثابتة وعزيمة راسخة لا تعرف الإسترخاء ولا الكلل .
عندما يتحدث الأمير الشيخ صباح ( أبو ناصر ) عن الكويتيين وهمومهم فإنه يتحدث كأبٍ وليس كحاكم فالجميع على مسافة واحدة منه وهو لا ينحاز ولو بمقدار قيد أنملة الى هذه المجموعة أو تلك على حساب المجموعة الأخرى والكويتيون بكل مللهم ونحلهم يختلفون على أشياء كثيرة لكنهم يتفقون على أمر واحد وهو الإحترام الذي يصل حدود التقديس لقبطان سفينتهم الجديد الذين عرفوه عن قرب على مدى سنوات طويلة وفي كل المواقع الهامة التي شغلها وعرفوا فيه النبل وسعة الأفق وهدوء الأعصاب والسياسة الحكيمة وعدم الإنفعال والإخلاص والمثابرة والحرص الشديد على وحدة العرب وتقدمهم والإسناد السريع لكل دولة عربية تواجهها معضلة وتهدد كيانها تحديات خطيرة.
لا أمتع من أن يلتقي كاتب فضولي برجل كالشيخ صباح الأحمد الصباح فهو نمط القادة الذين ينطبق عليهم التصنيف القائل : السهل الممتنع وهو ودود الى حد ان من يجالسه يشعر بأنه امام صديق حميم وليس أمام رجل دولة مخضرم وأحد بناة دولة لولم تكن قيادتها بكل هذه المواصفات لما أصبحت دولة .. تحسبات دقيقة لما يجري حول الكويت وفي الجوار لكن بدون فزع وإدراك لواقع الامة العربية المؤلم ولكن بدون يأس وملاحظات على بعض الأشقاء ولكن بدون حقد وإستعداد لتقديم المزيد والمزيد لبعض هؤلاء الأشقاء ولكن بدون منّة .
سألت ( أبو ناصر ) عما يجري في البرلمان الذي كان يعقد جلسة إستجواب لأحد وزراء حكومة الشيخ ناصر محمد الأحمد ( أبو صباح ) فرسم تلك الإبتسامة الوادعة الصادقة على وجهه وقال بصوت أبوي خافت : لا شيىء .. إن من حق الكويتيين أن يحاسبوا مسؤوليهم بدون خجل ولا وجل .. إن الكويت دولة ديموقراطية وأنه من حق الكويتيين الذين مرَّت بهم ظروف صعبة قبل إستقلال بلدهم وبعد ذلك أن يتحدثوا بكل صراحة وأن يتصدوا للأخطاء بكل شجاعة .
قلت ولكن ما سمعته وما قرأته بالنسبة لهذا الإستجواب وظروفه ودوافعه يشير الى ان الديموقراطية في الكويت تمارس بملح زائد .. ضحك ( أبو ناصر ) وقال بالطريقة الأبوية الودودة إياها : معليش .. إنهم أبناؤنا .. وعلى الأب أن يحتمل حتى نزوات بعض أبنائه .
الكويت تحتفل في هذه الأيام بذكرى التحرير السادسة عشرة وبالذكرى الأربعين للإستقلال .. فكل عام وأهل هذا البلد العزيز والشقيق بألف خير .. و هلا فبراير .














التعليقات