تخيير اللبنانيين بين وطنهم وبين المحكمة الدولية
هو كتخييرهم بين النضال من أجل الاستقلال وبين الرضوخ للوصاية الأسدية القاتلة
فارس خشّان
الرئيس السوري بشار الأسد أوصل رسالة تهديد واضحة الى كل من يعنيهم الأمر: quot;تشكيل المحكمة الدولية هو عمل عدائي ضد نظامي والرد عليه سيكون بتدمير لبنان، بكل الوسائل المتاحةquot;.
quot;الوسائل المتاحةquot; عبارة واضحة بالنسبة الى الجميع. هي تعني دفع الفئات اللبنانية المتعاملة مع النظام الأسدي الى زرع الفوضى الأمنية في لبنان، بحيث يبدو وكأنه عاد الى الحرب الأهلية.
ثمة من تلقف الرسالة التخريبية ولا يتوانى عن دعوة اللبنانيين الى الاختيار بين وطنهم وبين المحكمة الدولية، حاثا إياهم على ضرورة اعتماد الحكمة.. بدل المحكمة.
الحكمة والخيانة
حال هؤلاء كحال الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، حين برّر في مقابلة تلفزيونية تعاطيه الضعيف مع مسألة شائكة تعني بلاده، بقوله إن الأمور تحتاج الى الحكمة. فسأله الصحافي: quot;هل تستطيع ان تضع حدودا فاصلة بين الحكمة والخيانة؟quot;، فأجاب ميتران مبتسماً: quot;لا، لا أستطيعquot;.
في واقع الأمر، إن الدعوة الى تفضيل الوطن على المحكمة الدولية، ليست سوى دعوة الى الخيانة. هي كذلك، لأن المعادلة التخييرية هي معادلة مزيّفة، فالمحكمة الدولية ليست نقيضا للبنان ـ الوطن بل هي عموده الفقري، وهي ليست جهاز انتقام بل هي عصب الاستقرار، وهي ليست أداة هدم أنظمة بل هي أساس استقلال لبنان.
المحكمة ومستقبل لبنان
هذه ليست قصيدة مديح بالمحكمة الدولية بل هي حقيقة لم تلمسها بعد العين المجردة، ولكن يمكن قياسها على التسليم بمعادلات التخيير المزيفة التي كادت تمحو لبنان عن الخارطة الدولية، ذلك أن الدعوة الى التخلي عن المحكمة الدولية ضنّاً بالوطن، هي كالقبول بالدخول السوري الى لبنان في العام 1976 حقناً للدماء، وكالتنازل عن التنفيذ السليم لاتفاق الطائف خوفاً من قدرات النظام السوري التي تمثلت في الاغتيال ـ الرسالة للرئيس الشهيد رينيه معوض، وكالقبول بنمو النظام الامني على حساب النظام الديموقراطي لئلا تعمم سلوكية اعتقال سمير جعجع، وكالرضوخ لتمديد ولاية اميل لحود ـ رجل بشار الاسد في القصر الجمهوري اللبناني ـ خشية حرق لبنان على بنيه، وكالاستسلام لمنطق إقامة quot;حزب اللهquot; دويلة داخل الدولة خوفا من تداعيات التهمة الجاهزة بالتعامل مع العدو الاسرائيلي.
الاغتياليون
وبهذا المعنى، فإن المحكمة الدولية لم تصبح مطلبا لبنانيا الا بعدما تيقن اللبنانيون بأن الوصاية السورية التي خرجت من باب الرابع عشر من آذار تحلم بالعودة من نافذة دماء اللبنانيين. بعد التمديد، كانت محاولة اغتيال مروان حمادة قطعاً لمسيرة انتفاضة الاستقلال التي أعلنها quot;تجمع البريستولquot;، ومن ثم جاءت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان قد صمم على انقاذ لبنان، بالوسائل الديموقراطية، من ذل النظام الامني اللبناني ـ السوري، ثم كانت التفجيرات الارهابية المتنقلة بين نيو جديدة وإذاعة quot;صوت المحبةquot; قبل أن تبدأ جرائم اغتيال سمير قصير وجورج حاوي ومحاولتي اغتيال الياس المر ومي شدياق.
حتى تشرين الأول 2005، لم يكن اللبنانيون قد سمعوا بعد بالمحكمة ذات الطابع الدولي. كانوا يريدون الحقيقة من خلال عمل لجنة التحقيق الدولية، ولكن مسار الاجرام جعلهم يبحثون عن حماية الاستقلال بالسعي الى المحكمة الدولية.
quot;الإلهيونquot; وبيتان اللبناني
هذا يظهر بوضوح، ان لبنان السيد والمستقل كان يتعرض لحرب حقيقية، حتى قبل مجرد التفكير بالعدالة الدولية. حرب كانت تحمل كل بذور المسماة حرباً أهلية. كانت فيها كل الأدلة على تحالف الحركة الانقلابية. quot;حزب اللهquot; برز معادياً للتحقيق الدولي، منذ اللحظة الاولى. إعلامه تولى الترويج لكل تشكيك بعمل لجنة ديتليف ميليس. نوابه صمتوا صمت القبور على جرائم الاغتيال التي يندى لها الجبين. العماد ميشال عون قدّم تاريخه غطاء لكل الجرائم، بدا أشبه بالجنرال بيتان الذي وضع مجد الانتصار في معركة فردان في خدمة الاستسلام للهيمنة النازية على فرنسا. الرئيس نبيه بري تستر دائماً، وراء quot;المغلوب على أمرهquot;. سائر عملاء سوريا كانوا مندمجين في بذاءة الناطقين بلسانهم.
الحرب الأهلية بمنع المحكمة
تأسيساً على كل ذلك، ماذا تعني دعوة اللبنانيين الى ان يختاروا بين وطنهم وبين المحكمة الدولية؟.
هي بكل بساطة، تعني أن يقبل اللبنانيون بأن يعمل quot;حزب اللهquot; وسائر تابعيه في الحركة الانقلابية لمصلحة النظام السوري على حسابهم. اليوم تنتهي المحكمة الدولية لتبدأ غدا معركة إنهاء الاستقلال. اليوم تخرج العدالة من الباب لتدخل غدا الوصاية من النافذة.
إذا، المحكمة الدولية وببساطة مطلقة ليست نقيضاً للبنان، بل هي بداية لبنان ـ الوطن ونهاية لبنان ـ الساحة.
وبداية لبنان ـ الوطن لا تكون الا يوم يكف بعض اللبنانيين عن بيع دمائهم وعرضهم وشرفهم الى النظام السوري، تحقيقا لأهداف quot;أمميةquot; كحال quot;حزب اللهquot; ولأهداف quot;شخصيةquot; كحال العماد ميشال عون.
وبداية لبنان ـ الوطن مستحيلة، طالما أن هناك شعباً مستعداً لمقايضة استقراره بتحقيق رغبات بشار الاسد القاتلة.
وفي هذا السياق، إن تشكيل محكمة دولية يستحيل ان تضرب الوحدة الوطنية، بل العكس هو الصحيح، وتالياً فإن التهديد بالحرب الأهلية لا يكون متى تم تشكيل المحكمة بل متى تمكن بشار الاسد من منع تشكيلها، ذلك ان المحكمة الدولية ليست لمحاكمة فئة لبنانية بل هي لمحاكمة قتلة هذه النخبة السيادية التي تنتمي الى كل الفئات اللبنانية، أي ان الضغط لمصلحة هدر دماء الشهداء هو استهداف كامل لفئات لبنانية، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
من هنا، بات واضحا ان اللبنانيين ليسوا مخيّرين بين لبنان وبين المحكمة الدولية، بل هم عمليا مدعوون الى الاختيار بين صون لبنان بالمحكمة الدولية وبين خيانة لبنان بالتخلي عن المحكمة الدولية.













التعليقات