الجمعة 23 فبراير 2007
د. أسعد عبد الرحمن
مع كثرة الاستحقاقات المستعصية على الحل في الشرق الأوسط والتي تضغط بعكس ما ترغب فيه الإدارة الأميركية (خاصة في فلسطين ولبنان والعراق وتفرعاتها) تركز الإدارة ذاتها، هذه الأيام، على ادعاء بذلها جهداً كبيراً لحل القضية الفلسطينية، quot;امتثالاًquot; منها للنصائح العربية والدولية المتراكمة عن أن التقدم في الملف الفلسطيني من شأنه الإسهام في حل مشاكل المنطقة. ففي الآونة الأخيرة، ظهرت آراء ترى أن الوضع الفلسطيني/ الإسرائيلي مرتبط بطريقة ما بما يحدث في العراق، باعتبار أن الارتباط الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل يجعل من الصعب على واشنطن التعاون مع حلفائها العرب لوقوعهم تحت ضغوط داخلية وخارجية (إيران مثلاً) وضعفهم في الدفاع عن سياسة الولايات المتحدة وإسرائيل، لذا فمن المهم مشاركة أميركا في حل القضية الفلسطينية سريعاً. هذا مع أن الدلائل تشير إلى كون الاحتلال الأميركي للعراق سيستمر طويلاً، وأن المقاومة هناك تتصاعد بالتوازي مع عمليات القتل على الهوية التي أسست للحرب الأهلية الدائرة في بلاد الرافدين. أما المسألة الفلسطينية فهي أبعد ما تكون اليوم عن أي حل حقيقي. وتشكل quot;الهدنةquot; الراهنة محطة مؤقتة على طريق صراع ممتد يؤججه الحصار حول الشعب الفلسطيني، فضلاً عن تداعيات الاقتتال القبيح الذي وقع بين الإخوة.
لا يختلف اثنان على أن جهود واشنطن المبذولة حالياً لتحقيق تقدم ما في الملف الفلسطيني ترتبط بشكل مباشر برغبة الإدارة الأميركية في الحصول على دعم عربي للسياسة الأميركية في العراق وأيضاً للحكومة العراقية. لذلك، يتوقع أن تكون زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس إلى منطقة الشرق الأوسط في الأسابيع القادمة، أو سعيها لجمع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت مرة أخرى لتحقيق تقدم في عملية السلام، مجرد جهود علاقات عامة! وعليه، يظهر أن الجهود الأميركية للتدخل وتحقيق تقدم ما في الملف الفلسطيني مشروطان ببذل الدول العربية جهوداً إضافية تجاه تحقيق الاستقرار في العراق عن طريق دعم الحكومة هناك، رغم ضعف التصور بأن الدعم العربي يمكن أن يجد مخرجاً للعراق من الحرب الأهلية المستعرة بين سُنته وشيعته، خاصة مع تحول أرض الرافدين إلى أرض معركة بين أتباع الاحتلال الأميركي من جهة وأتباع النظام الإيراني من جهة ثانية، فضلاً عن تنظيم quot;القاعدةquot; ومن يشايعونه، وممارسات quot;جيش المهديquot; من جهة رابعة. والحال كذلك، فإنه من غير المتوقع نجاح العرب (القلقين من النفوذ الإيراني في العراق أصلاً) ناهيك عن توقع أي نجاح لسياسات واشنطن (الراضخة تماماً للضغوط الإسرائيلية في فلسطين والعراق).
لقد انطلق حديث الارتباط الأميركي المطلوب بين العراق وفلسطين (خاصة من منظور quot;المحافظين الجددquot; الذين هللوا لغزو العراق) من فكرة إقامة محور بغداد/ تل أبيب الهادف إلى إنهاء المعارضة لأميركا وإسرائيل في المنطقة، بما يكفل أيضاً إجهاض القضية الفلسطينية دون عناء يذكر. لكن مع تفاقم ورطتها في العراق، جاءت الإدارة الأميركية باستراتيجية قوامها تصعيد عسكري يتضمن إرسال مزيد من الجنود إلى ذلك البلد، مع محاولة تحريك المسار السلمي في فلسطين لخلق الانطباع بأن الولايات المتحدة ملتزمة بحقوق الشعب الفلسطيني. ويرجح المراقبون ألا تكون زيارة رايس المرتقبة ذات فائدة حاسمة طالما أن إدارة بوش لا تنتهج سياسة تأسيس الحلول المناسبة للقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي يزيد من فرص إلحاق الضرر بسياسة أميركا في المنطقة. فالمطلوب من الرئيس جورج بوش تبني سياسة متوازنة تقوم على أساس إقامة دولة فلسطينية إلى جانب quot;إسرائيلquot; بغية إحلال السلام الدائم والشامل في المنطقة عن طريق المفاوضات المباشرة أو عبر عقد المؤتمر الدولي للسلام الذي دعت إليه عدة دول أوروبية، خاصة وأن quot;الحليفquot; توني بلير أعلن أن حل معضلة العراق يكمن في حل مشكلة الصراع العربي / الإسرائيلي. ومن المعروف أن الشارع العربي تعوَّد النظر إلى الخطط المعلنة من واشنطن باعتبارها مخادعة أو أقله مضللة، ظاهرها البحث عن السلام وباطنها مخطط لتحقيق مصالحها ومصالح إسرائيل، الأمر الذي جعل المواقف الأميركية لا تجد إلا الرفض العربي بعد الانحسارين الكبيرين في العراق وفلسطين، ناهيك عن الضرر الإضافي الناجم عن استمرار سياسة واشنطن غير العادلة والمنحازة لإسرائيل والمُحجمة عن الضغط عليها لتنفيذ التزاماتها تجاه quot;خريطة الطريقquot;، فضلاً عن كون إسرائيل تتطلع لتسوية سياسية قوامها إملاء صفقة تأخذ فيها ما تريد على حساب الحقوق العربية.
ومع ذلك، فإن فكرة الربط بين فلسطين والعراق، التي يمكن للشارع العربي أن يفهمها، تقوم على قاعدة أن الاحتلال ينطلق من نفس الأهداف والثوابت المعادية. ذلك أن آلة الحرب الإسرائيلية -الأميركية الصنع- التي تقتل الفلسطينيين، وتجرف الأراضي وتهدم المنازل وتحرق الأرض، هي ذاتها آلة الحرب الأميركية التي تدك العراق، وإنْ أيضاً بأيدي بعض العراقيين وغيرهم، حيث يجري استهداف المدنيين العُزل والمساكن الآمنة في حرب طائفية لا طائل من ورائها، إضافة إلى التبريرات حول أخطاء حربية تحصد أرواح الأطفال والنساء والعجزة بلا تفريق. لكن ماذا بالنسبة لإسرائيل؟! وكيف ترى إمكانية الربط هذه؟! كما نعلم، يستحيل على إسرائيل القبول بربط ملفاتها بأي ملف آخر باعتبار أنها ستكون لا محالة quot;الضحيةquot; التي تقدم quot;التنازل تلو التنازلquot;، وهو ما زعمه أولمرت نفسه خلال زيارته الأخيرة لواشنطن بعد صدور تقرير quot;بيكر- هاملتونquot;. بل إن الصحفي الإسرائيلي (رامي طال) كتب في صحيفة quot;يديعوت أحرونوتquot; يقول: quot;ترفض إسرائيل كل محاولة لإيجاد علاقة أو ربط بين الموضوع العراقي وبين الموضوع الشرق أوسطي... ولذلك فمن الأنسب لها إدارة سياسة مستقلة. فبعد أقل من سنتين، وحين ينتخب رئيس (أو رئيسة) جديد للولايات المتحدة، فمن الممكن أن تكون السياسة الأميركية في هذا الخصوص قد تغيرت تماماًquot;. أما بالنسبة للفلسطينيين فالأمر الآن جد مختلف. ذلك أن وحدة الموقف الفلسطيني مطلوبة، إن كان مطلوباً -حقاً- دفع عملية السلام مجدداً على أسس quot;عادلةquot; نسبياً، وهو الحال الذي كاد يفتقده الفلسطينيون في تلك الأيام البائسة التي أسفرت عن فضيحة اقتتال الإخوة وقرب الوصول إلى quot;حرب أهليةquot; لطالما حذرنا منها. غير أن ما تحقق في quot;قمة مكة المكرمةquot;، بدعوة من المملكة العربية السعودية، يعيد بعض التفاؤل الذي كاد يتلاشى، سواء على صعيد العلاقات الفلسطينية/ الفلسطينية أو على صعيد التسوية السياسية.














التعليقات