نيكولاس كريستوف - نيويورك تايمز


هما شيخان، أحدهما وصل في موكب سيارات مع الحراس، والآخر كان يتلمس طريقه كأعمى وهو يسير مشيا على الرصيف بعصاه، ولكن في لحظة معينة تداخل مسارهما، وأعني مداري، الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر، والمواطن الإثيوبي ميكونين ليكا في ميدان القتال القصي في جنوب إثيوبيا.

وميكونين، الذي يعتقد انه في الثامنة والسبعين من العمر، مريض يندرج في حرب كارتر الحالية على مرض عمى النهر. وهو من العمى لدرجة انه نادرا ما يغادر بيته، ولكن في هذه المناسبة توجه إلى عيادة قرية أفيتا للحصول على علاج للديدان التي تسكنه.

وهناك بقع في بشرته لأن الديدان تسبب الحكة خصوصا عندما تكون نشطة في الليل. وهو وضحايا آخرون يهرشون أجسادهم الى أن تنزف بشراتهم دما. وفي خاتمة المطاف تنتقل الديدان الى العين حيث غالبا ما تدمر نظر الضحية.

وفي إثيوبيا أعلى نسبة للعميان في العالم وتبلغ 1.2 في المائة بسبب الآثار المشتركة لعمى النهر والتراخوما. وكما في الكثير من الدول الأفريقية فان شعار الفقر تمثله صورة لطفل صغير يقود شحاذا أعمى بعصاه.

وبينما كان ميكونين ينتظر على مصطبة عند العيادة كانت هناك ضجة من النشاط، وأعلن إثيوبي باللغة الأمهرية أن laquo;شخصا عظيماraquo; كان قد وصل. وسمع ميكونين أصواتا تتحدث بلغة أجنبية وحركة كاميرات وأخيرا الضجة التي أحاطت بوصول كارتر.

سألت ميكونين: هل تعرف من القادم ؟

أجاب: لا أستطيع الرؤية.

وقلت: هل سمعت بجيمي كارتر ؟ فأجاب: كلا.

غير أنه في أماكن قصية مثل هذا، يقود الرئيس كارتر ،82 عاما، حربا جيدة وملهمة وخاصة على مرض عضال، ولا بد لها من أن تلهم الرئيس بوش وزعماء آخرين في العالم، بل وتوبخهم وتحفزهم على الانضمام إليها. وهنا لا يقتصر الأمر على مجرد أن حروب كارتر هي أكثر نجاحا من حروب بوش، فكارتر يعيد أيضا تأهيل صورة الولايات المتحدة في الخارج، ويحول حياة أكثر شعوب العالم معاناة نحو اتجاه جديد.

وفي الليلة السابقة كان ميكونين قد نام تحت ناموسية للمرة الأولى في حياته كجزء من مبادرة كارتر للقضاء على الملاريا وداء الفيل في المنطقة. ويستخدم ميكونين الآن بيتا صغيرا نتيجة لمبادرة مركز كارتر لبناء 350 ألفا من هذه البيوت في أرياف إثيوبيا للقضاء على العمى الناجم عن التراكوما.

وقد أفلح كارتر تقريبا في إزالة داء مروّع يحمل اسم ديدان غينيا، وحقق تقدما كبيرا في مكافحة أمراض أخرى بينها عمى النهر وداء الفيل. وفي هذه المنطقة يتناول الناس جرعة سنوية من دواء اسمه مكتيزان، وقد تبرعت به شركة ميرك التي تستحق تقديرا رفيعا، وهو يمنع الحكة والعمى.

كما أن مكتيزان يقضي على الديدان المعوية، ويجعل القرويين الإثيوبيين أقوى وأكثر قدرة على العمل أو الذهاب إلى المدارس. وبين البالغين يؤدي التخلص من الديدان إلى تنشيط الدافع الجنسي ولهذا سمى بعض الناس أطفالهم باسم مكتيزان. وحملة كارتر الخاصة ضد أمراض الفقر تعتبر نموذجا لما يمكن أن تقوم به حكومتنا. تخيلوا لو أن الولايات المتحدة عقدت العزم على القضاء على الملاريا وداء الفيل. وماذا لو أننا احتفينا بالعلم ليس عبر الذهاب إلى المريخ وإنما عبر القضاء على الملاريا؟ وماذا لو أننا حاولنا صقل صورة أميركا في الخارج ليس فقط عبر البيانات الصحفية والدعاية الإعلامية، وإنما أيضا عبر حملة جريئة ضد المرض!

ولهذا فإنني أتمنى لو أن بوش استطاع زيارة قرى مثل قرية أفيتا هذه ليرى ما حققه كارتر كشخص. فقد موّل بوش حملة كبرى لمكافحة الايدز ستنقذ تسعة ملايين شخص، كما أنه يزيد من الإنفاق لمكافحة الملاريا، ولكن ليس بما يقترب من الحيوية التي يزيد بها أعداد القوات الأميركية في العراق. ولهذا سألت كارتر عما إذا كان يتعين على بوش أن يدفع الأمور لا باتجاه حرب مع إيران، وإنما باتجاه حرب على الملاريا.

وقال laquo;سيكون ذلك بالتأكيد ما أفضله، فاعتقادي أن الحرب في العراق واحدة من أفدح الأخطاء التي ارتكبتها بلادنا، ومن المحتمل أننا على وشك ارتكاب خطأ أكثر فداحة عبر إثارة حرب مع إيران. ولكنني أود أن أرى انتقالنا من الحرب كأولوية إلى الدبلوماسية وقضايا الخيرraquo;.

إذن أيها الرئيس بوش: ماذا لو أننا كبلد التحقنا بحرب كارتر على الأمراض التي تفتك بأفقر شعوب العالم، وتعتبر أحد أسباب فقرهم. تلك حرب يمكن أن توحد الأميركيين ولا تقسمهم. هيا أيها السيد بوش اقرع الطبول.