رجاء النقاش
أظن ان مأساة العراق في الوقت الراهن على كثرة سلبياتها وآثارها السيئة لها جانبان ايجابيان، اما الجانب الاول فهي انها تقدم دليلا قاطعا على ان الطائفية هي اخطر على أي شعب من أي مخاطر اخرى، فالتعصب الطائفي يمزق المجتمع الواحد ويفرق بين المواطنين فيه، ويجعل الحياة المشتركة القائمة على التفاهم والسلام والتسامح أمرا مستحيلا، ولا شك ان الطائفية في العراق قد اضرت بالعراقيين أكثر مما أضر بهم الاحتلال أو ما كان يوصف به النظام السابق من استبداد.
وبعد ان كان العراقيون يعيشون مع بعضهم البعض في اخاء دون تفرقة بين شيعي أو سُني، دبت الخلافات بين الناس وتحكمت المخاوف والهواجس في كل طائفة، واصبحت الفكرة السائدة المسمومة هي انه لكي يعيش الشيعة في أمان فلا بد من ابادة السُنة، والعكس صحيح، أي انه لكي يعيش السُنة في أمان فلا بد من ابادة الشيعة.
ومثل هذه الافكار بالطبع لا تصلح لاقامة مجتمع مستقر يشعر فيه المواطنون بالأمان والاطمئنان ويعيشون حياة طبيعية مثل بقية خلق الله في كل مكان على الارض.
الطائفية مرض خطير، ولا أظن ان اشتعال الصراع الطائفي في العراق هو من فعل العراقيين انفسهم، فليس لأي عراقي مصلحة في مثل هذه الفتنة الطائفية الاجنبية، ولكنها الايادي الشريرة التي تعمل من وراء ستار وتشعل الخلافات وسوء الظن بين المواطنين، ومثل هذه الفتنة تفيد اصحاب المصالح الكبرى، وهؤلاء يمثلهم الاحتلال الاميركي الذي يشغل العراقيين بالصراع الطائفي، ويشتغل هو باستخراج البترول والسيطرة عليه والانتفاع الكامل به.
على أن في المأساة العراقية جانبا ايجابيا آخر غير ما كشفته من خطورة الصراع الطائفي، هذا الجانب هو الرد بالدليل العملي على الذين أرادوا تجريد العراق من عروبته، وتمادوا في الأمر حتى أصبحوا يسخرون من العروبة، ويرون أنها أكذوبة، وأن دعاتها والمؤمنين بها هم من بقايا العصور القديمة التي انتهت ولن تعود مرة أخرى، وعلى الذين يؤمنون بهذه العروبة الأكذوبة أن يخجلوا من أنفسهم وينسحبوا من ساحة العصر الحديث قبل أن تقضي عليهم قوة هذا العصر الساحقة والتي تنكر أن هناك شيئا اسمه العروبة.
هذا ما يقوله بعض القائلين الذين أصبحت لهم أصوات عالية في هذا العصر العربي المليء بالضباب والتراجع والأزمات، ولكن الواقع العملي يرد على هؤلاء الصارخين بالباطل، ذلك أن هناك احصائيات تقديرية تقول ان أكثر من أربعة ملايين عراقي قد خرجوا من العراق في السنوات الأربع الأخيرة، والأقلية من هؤلاء ذهبت إلى أوروبا وأميركا، أما الغالبية العظمى فقد ذهبت إلى عدد من الدول العربية وعلى رأسها الأردن وسوريا ومصر، وهؤلاء العراقيون المقيمون بمئات الآلاف في الدول العربية المختلفة يشعرون بالأمان، وكثيرون منهم يمارسون أعمالهم الطبيعية كأنهم في مجتمعهم الأصلي، وهذا ما نراه الآن في مصر، فآلاف العراقيين يقيمون الآن في أماكن مختلفة، خاصة في المدن الجديدة مثل laquo;6 أكتوبرraquo;، وlaquo;الشروقraquo; وlaquo;الرحابraquo; وغيرها من الامتدادات العمرانية الحديثة لمدينة القاهرة، وكثير من هؤلاء العراقيين يعملون ويذهب أولادهم إلى المدارس، ولا يشعرون بالغربة، وتلك هي العروبة على حقيقتها، وهي التي يراد منا أن نؤمن بأنها أكذوبة، وما هي بأكذوبة ولكنها حقيقة ساطعة لا ينكرها إلا المغرضون والجاحدون.











التعليقات