الأربعاء 28 فبراير 2007

د. حسن مدن


حتى أمد قريب، ليس ببعيد، بدت الأمور بالنسبة لقطاع واسع من المثقفين العرب وغير العرب واضحة، فهذا القطاع الذي آمن بالثقافة رافعة للتغيير نحو الأحسن وأداة له كان على قناعة مطمئنة، قناعة أشبه باليقين الذي لا يأتيه الباطل من شماله أو يمينه، بأن مهمة الثقافة قد انتقلت من حيز تفسير العالم إلى مهمة تغييره، أخذا بالمقولة المستعارة من القرن التاسع عشر التي صيغت في الأطروحة الشهيرة ldquo;كل ما فعلته الفلسفة حتى الآن هو تفسير العالم، بينما المطلوب تغييرهrdquo;.

بيد أن هذا العالم الذي بدا لوهلة أنه مفسَّر قد تغير جذرياً، بشكل يبدو فيه الأمر كما لو أن هذا التغير قد حصل بصورة تلقائية في الوقت الذي ظل فيه المثقف يوهم نفسه انه ما زال يسعى لهذا التغيير. المعضلة الآن أن العالم الذي حسبت فلسفة القرن التاسع عشر أنها فسرته هو غير العالم الذي كان، وان التفسير السابق لم يعد محيطا بكل التفاصيل والتحولات التي جرت فيه. العالم الجديد الناشئ اليوم نفسه بحاجة إلى تفسير. وفي غمرة النقاش الدائر حول دور الثقافة العربية والمثقف العربي غالباً ما يجري الانصراف عن حقيقة أن تحديد هذا الدور غير ممكن إلا عبر معرفة ما يدور في الراهن العربي من تحولات وتفاعلات.

إن خطيئة قطاع واسع من المثقفين العرب تكمن حصراً في هذا الانصراف نحو المقولات الذهنية المقولبة، ولا أقول المستوردة، لأن هذا التوصيف فيه من التعسف الشيء الكثير. القولبة قد تكون نتاجنا نحن أنفسنا حين نتحصن وراء مقولات غير قابلة للأخذ والعطاء نلوح بها كسيوف مسلطة على أعناقنا أنفسنا قبل أعناق الآخرين.

وغالباً ما يبدو المثقفون مأخوذين بالموضة، أو بما هو دارج من مقولات غالباً ما تكون مستقاة من سياقات ومناخات ثقافية وحضارية أخرى من دون أن يتمعنوا في حقيقة أن مثل هذه المقولات نتاج تراكم ثقافي وإبداعي مختلف، وأنها لا تنطبق على سياقنا الثقافي، وإذا انطبقت فإنها بالضرورة تأخذ تجليات خاصة بنا وبهذا الواقع. وما يبدو باعثاً على السخرية الترداد الببغائي لمصطلحات وأسماء مدارس فلسفية ونقدية غربية، كثيراً ما يكون الغرب نفسه قد أدار ظهره لها، لأنه بلغ مرحلة من النضج الحضاري الذي تبدو فيه بعض مظاهر تطوره أشبه بالورم الذي يشعر بالحاجة الى عمليات جراحية للتخلص منه. ثمة حاجة هناك الى تفكيك ما هو فائض وزائد على الحاجة، فيما مجتمعاتنا لا تزال في طور التكون وتحسس الأرض من تحت خطواتها علها تعرف في أي الطرق ستسير.

في كتابه ldquo;أوهام النخبةrdquo; دعا الباحث علي حرب إلى إشعال ما وصفه بrdquo;نار الأسئلةrdquo;، ومعه في ذلك كل الحق، فنحن ضحايا الوثوقية التي أعفتنا طويلاً من التفكير. آن أوان أن نكتوي بنيران الأسئلة.