جورج الراسي

لا أعرف مَنْ يضحك على الآخر في افريقيا؟
هل يضحك العرب على الأفارقة، أم الأفارقة على العرب، أم العرب بعضهم على بعض، أم السود بعضهم على بعض، أم البيض (نسبياً) على السود (جداً)؟
لا شك أن النوايا طيبة، تلك التي تمخضت عنها القمة الثامنة للاتحاد الافريقي، المنعقدة في أديس أبابا يومي 29 و30 كانون الثاني المنصرم، بحضور 53 دولة، تحت شعاري quot;العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي من أجل التنميةquot; وquot;التغيّرات المناخية في افريقياquot;، وعلى نحو خاص فكرة الاعلان عن قيام quot;الولايات المتحدة الافريقيةquot; التي تُركت للقمة المقبلة المزمع انعقادها في تموز المقبل في العاصمة الغانية أكرا، بمناسبة العيد الخمسين لاستقلال هذا البلد، وبعد أن ذهب الى رئيسه جون كوفور شرفُ رئاسة الاتحاد للعام المقبل خلفاً لرئيس الكونغو.
هكذا يكون الرئيس السوداني عمر البشير قد حُرم للعام الثاني على التوالي من هذا الشرف ـ راضياً مرضياً ـ بسبب الوضع في دارفور.
ولا شك أن الحلم جميل بتحويل هذه القارة الغنية بالثروات الى وحدة متكاملة تفرض أخيراً وجوداً quot;للجنوبquot; في وجه quot;شمالquot; غني ومُتَعنّت.
ومن الواضح أن quot;الاتحاد الافريقيquot; قد قطع أشواطاً على طريق التقريب بين أعضائه. فهو استوحى من quot;الاتحاد الأوروبيquot;، وقام على أنقاض منظمة الوحدة الافريقية التي تأسست في أيار 1963، بعد نيل معظم الدول الافريقية استقلالها. مشروعه الأساسي طُرح بمبادرة من الزعيم الليبي معمر القذافي في مدينة سرت الليبية بتاريخ 9/9/1999 (رقم 9 عزيز على قلب العقيد لأنه يترافق مع قيام ثورة الفاتح في الشهر التاسع من العام 1969)، وأصبح نافذاً بعد بلوغ العتية المطلوبة أي 36 دولة، وأُعلن عن تأسيسه في مدينة سرت أيضاً في شهر آذار اللاحق، لكنه لم يُطلق رسمياً إلا في تموز 2002 في جنوب افريقيا، بعد أن كان قد تم التوقيع على الوثيقة التأسيسية في تموز 2000 في مدينة لومي عاصمة التوغو، وبعد أن دخلت حيّز التنفيذ في أيار 2001 لتحل محل ميثاق منظمة الوحدة الافريقية. وتشكلت خلال القمة الافتتاحية في دوربان (جنوب افريقيا) أربع هيئات أساسية للاتحاد هي quot;المؤتمرquot; أي الهيئة العليا التي تضم رؤساء الدول والحكومات، وquot;المفوضيةquot; (الأمانة العامة للمنظمة سابقاً) التي تتولى الشؤون التنفيذية، ويشغل المنصب حالياً عمر كوناري رئيس مالي السابق، وquot;المجلس التنفيذيquot; (الوزراء)، ولجنة المندوبين الدائمين (السفراء)، وبقيت أديس أبابا عاصمة للاتحاد كما سبق وكانت عاصمة للمنظمة. وأطلق برلمان (استشاري) للاتحاد في آذار 2004، تشكل في أيلول في جنوب افريقيا وهو يضم 256 عضواً وترأسه التنزانية جيرترود مونجيلا. وفي 25 أيار 2004 تم الاعلان عن quot;مجلس السلم والأمنquot; التابع للاتحاد، والذي باشر بالفعل صلاحياته حين أرسل في آذار 2002 بعثة لحفظ السلام قوامها حوالي 2700 جندي الي بوروندي التي مزقتها حرب أهلية منذ العام 1993. لكن المشاكل المالية جعلت المهمة تنتقل الى الأمم المتحدة في حزيران 2004. كما نشر الاتحاد الافريقي بعثة مؤلفة من نحو سبعة آلاف رجل في دارفور حيث اندلعت الأحداث منذ شباط 2003. لكن قرار quot;مجلس السلم والأمنquot; الأخير المتخذ في 19 كانون الثاني والقاضي بإرسال قوة سلام الى الصومال لدعم الحكومة الشرعية وحفظ النظام قوامها 7600 رجل لمدة ستة أشهر، لم يدخل حيّز التنفيذ لانعدام التمويل اللازم، وعدم القدرة على جمع أكثر من أربعة آلاف جندي (من بوروندي وأوغندا ونيجيريا ومالاوي) للحلول محل القوات الأثيوبية.
مع ذلك، فهذه كلها خطوات محمودة، لكن بين الواقع وبين تأسيس quot;ولايات متحدةquot; هنالك نحو خمسة عشر نزاعاً مسلحاً تتضرج القارة بدمائها، سواء داخل بعض الدول أو فيما بينها. هنالك أولاً أزمة دارفور التي اندلعت في شباط 2003، وأدت حتى الآن الى سقوط نحو 300 ألف قتيل، فضلاً عن نزوح أكثر من مليوني شخص. وهنالك أيضاً في السودان صراع مع المتمردين في شرق البلاد. وكانت قد وقعت في شهر كانون الثاني 2005 اتفاقية سلام بين متمردي الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة جون قرنق والحكومة السودانية وضعت حداً لحرب دامت 21 عاماً، وأوقعت 1.5 مليون قتيل، وهجّرت أربعة ملايين نازح ولاجئ. وهي لم تنته فصولاً إذ تقول آخر الأخبار أن الجنوبيين بزعامة سلفا كير النائب الأول لرئيس الجمهورية دشنوا quot;سفارةquot; موازية في واشنطن فيما اعتبرته الخرطوم quot;خطوة انفصاليةquot;.
وليس بعيداً عن السودان فالصراع المسلح على السلطة في تشاد ما زال مستمراً، والآن هناك تعويل على المصالحة التي جرت بين التشاد والسودان برعاية ليبية.
وعلى حدود تشاد تمددت أزمة دارفور لتطال جمهورية افريقيا الوسطى حيث ينشط المعادون للسلطة. وقد رعى العقيد القذافي في 2 شباط الجاري توقيع اتفاق سلام في مدينة سرت بين quot;الجبهة الديموقراطيةquot; بزعامة الجنرال عبدالله مسكين، وquot;اتحاد القوى الديموقراطية للتجمعquot; من جهة، وحكومة الرئيس فرانسوا بوزيزي من جهة ثانية، لوقف الأعمال العدائية.
وفي الصومال ما زال الوضع هشاً رغم دخول الحكومة الشرعية الى مقديشو مطلع هذا العام على ظهر الدبابات الأثيوبية، وطرد المحاكم الاسلامية من البلاد. وما زالت quot;جمهورية أرض الصومالquot; المنشقة في الشمال تطالب بالاعتراف بها.
وبين أثيوبيا وأريتريا ما زالت النار تحت الرماد منذ الحرب الحدودية المدمرة بين عامي 1998 و2000 ورفض أديس أبابا ترسيم الحدود الذي وضعته لجنة مستقلة عام 2002. وفي جمهورية الكونغو الديموقراطية صراع مستمر بين التوتسي والهوتو أدى حتى الآن الى سقوط 3 ملايين قتيل بسبب العنف والمجاعة والأمراض. وفي أوغندا حرب ضد quot;جيش الربquot; وساحل العاج منقسمة بين شمال وجنوب. وهناك حركة تمرد منذ 1982 في منطقة كازامانس جنوب السنغال. والاضرابات تعصف بغينيا. والأمور غير مستتبة بعد في ليبيريا وأنغولا ونيجيريا... إلخ.
هذا كله دون الحديث عن أقرب الدول إلينا في quot;اتحاد المغرب العربيquot; حيث يستمر السجال حول الحدود المغلقة، وتأشيرات الدخول، ومصير الصحراء الغربية والارهاب الجوال...
وحدها كرة القدم توحد الجميع، فتم الاعلان عن سنة 2007 سنة دولية لكرة القدم الافريقية، وكأس العالم المقبلة (2010) ستنظم في جنوب افريقيا، وللمرة الأولى في القارة السمراء.