السبت 3 مارس 2007

خيري منصور


كم من الخيال يحتاج الواحد منا كي يتصور الحياة في بغداد لأربع وعشرين ساعة فقط؟

لقد استغرقت الكتابة عن أربع وعشرين ساعة في حياة أهل دبلن كتاباً لجيمس جويس، ومثله فعله الروسي سولجنستين عندما كتب مئات الصفحات عن يوم واحد، وكذلك الألماني تسفايج الذي كتب رواية تحولت إلى فيلم سينمائي بعنوان ldquo;أربع وعشرون ساعة في حياة سيدةrdquo;.

ان يوماً واحداً قد لا يصلح عينة لعمر بكامله، أو لتسجيل الحياة في مدينة تعيش أياماً عادية ورتيبة، لكن بغداد التي تصحو على الدخان وتنام على الرماد تحزر مسبقاً يومها القادم.. فهو سيارات مفخخة على امتدادها طولاً وعرضاً وعمقاً، وهو توابيت من مختلف الحجوم تملأ الأزقة والشوارع، وهو اغتيالات واختطافات غالباً ما تكون عمياء، لأن الضحايا من مختلف الأعمار والهويات.

أما القتلى المجهولون الذين يحشدون كل صباح في الثلاجات بانتظار من يتعرف إليهم فهم بمعدل أربعين يومياً.

من هو العراقي الذي يصحو من نومه ويذهب إلى الوظيفة أو الجامعة من دون أن يلقي نظرة وداع على بيته وأمه وزوجته وأولاده؟

لقد تحولت الحياة في هذا الجحيم الأرضي إلى أربع وعشرين ساعة تتكرر بكامل تفاصيلها.

دم في الطريق، ودم على الجدران، ودم على الشاشات، لكأن البلد الأخضر الذي سموه أرض السواد لشدة اخضراره أصبح بقعة دم بحجم وطن.

نعرف ان هناك الملايين ممن لم يطيقوا هذه الحياة، فهاجروا بحثاً عن مأمن، ان لم يكن من أجلهم فمن أجل أطفالهم، لكن من مكثوا ليسوا جميعاً من الفقراء عديمي الحول والقوة والقدرة على السفر، أعرف منهم أناساً يستطيعون الاقامة في أية عاصمة في هذا العالم، لكنهم قبضوا على الجمر. وقرروا أن يموتوا حيث ولدوا.

من منا يستطيع ان يتصور أن ابنه أو ابنته يتناول فطوره ويتأبط حقيبة كتبه ويذهب إلى الجامعة وهو على موعد مع الموت؟

ان الأمر أصبح شبيهاً باليانصيب، فمن ينجو لا ينجو بفضل من قرر الانفجار، ومن لا ينجو قد لا يكون مقصوداً بالاسم والجسم ووشم الهوية.

ان معظم ما قرأناه عن الديستوبيات في التاريخ وهي نقيض اليوتوبيا لأنها مدن راذلة مقابل الفاضلة، لم يصف المشهد العراقي الراهن، ولم يصل الخيال إلى هذا الحد من الموت المجاني وتحول النهار إلى فخ للمارة والنائمين والرائحين والغادين من أعمالهم وبيوتهم ومساجدهم وكنائسهم ومدارسهم.

أذكر ان الكاتبة الفرنسية سيمون دو بوفوار سخرت ذات يوم من حملة للتبرعات من أجل جياع آسيا فقررت أن تقيم مأدبة لبورجوازيات باريس قدمت لهن خلالها أطباقاً من طعام آسيوي يباع على الرصيف ويطفو عليه الذباب الميت.

بالطبع أصاب الغثيان السيدات البورجوازيات ومنهن من أصيبت بالغيبوبة لفرط التقزز، لكن بوفوار، قالت لهن ldquo;ان من يتدفأ على جمر مدفأة الحائط ليس كمن يغرز أصابعه فيها، لهذا تذوقوا قليلاً من مرارات تلك الشعوبrdquo;.

وهناك من جربوا السجن ليلة واحدة في عز البرد كي يكتبوا عن السجناء من داخل التجربة، ويبدو ان الكتابة عما يجري في العراق وفلسطين ستبقى باردة، ومتشابهة، ومعلبة اذا لم نعان الاقامة في الجحيم أربعا وعشرين ساعة فقط، فهي العمر كله وقد تقطر في نهار واحد.. وهي تاريخنا برمته وقد اختزل بسيارة مفخخة ومقبرة جماعية، وقتلى مجهولي النسب.