ساطع نور الدين

الزيارة التي يقوم بها الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد اليوم الى السعودية تتوج نقاشا بدأ في ايران منذ ان شهر سلاح الفتنة المذهبية في وجه السياسة الخارجية الايرانية ونجح الى حد بعيد في حصرها داخل هويتها الشيعية وملاحقة دورها في مختلف انحاء العالم الاسلامي، لا سيما في العراق ولبنان.. في لحظة التوتر الشديد بينها وبين الغرب حول ملفها النووي المثير للجدل.
النقاش كان يدور في طهران حول تلك القفزة الواسعة التي قامت بها القيادة الايرانية نحو دول اميركا اللاتينية، وسعت الى تشكيل تحالف عميق مع حكامها اليساريين الذين استعادوا السلطة والثروة الوطنية في بلدانهم من الاميركيين ودخلوا في صراع مفتوح مع واشنطن، عنوانه التماثل مع التجربة الكوبية بقيادة الزعيم فيدل كاسترو، والتشابه مع التجربة الفنزولية برئاسة هوغو شافير الذي تحول الى رمز في ايران.

كان السعي الايراني الى مثل هذا التحالف مع بلدان تلك القارة البعيدة مغامرة اخرى غير محسوبة بدقة، وغير مجدية ايضا، وتعبر عن سوء ادارة القيادة للسياسة الخارجية، وتحديدا للملف النووي الذي دفعته الزيارات واللقاءات الايرانية المتكررة مع زعماء دول اميركا اللاتينية الى الفناء الخلفي لاميركا.. كما تعكس تجاهلا غير مبرر وغير مفهوم للمجال العربي الذي يفترض انه المجال الطبيعي والحيوي بالنسبة الى ايران.

وثمة من يعتقد في طهران ان التشدد الاميركي في مواجهة المشروع النووي الايراني وفي مقاربة عروض التفاوض والتصالح الايرانية مع واشنطن ناجم في جزء منه من تلك المغامرة اللاتينية التي حفزت الاميركيين على تفجير الفتنة في وجه ايران وإعادتها الى ارض الواقع المحيط بها مباشرة، بل الى داخل حدودها التي تسكنها من الجهات الاربع اقليات سنية يسهل على أي كان اختراقها، لا سيما اميركا التي تنشر قواتها على جميع تلك الجهات، وتعمل حاليا على العبث بالامن الايراني في اقليم سيستان انطلاقا من باكستان وفي اقليم كردستان انطلاقا من العراق.

العودة الايرانية الى السعودية، وتحديدا من خلال الرئيس محمود احمدي نجاد الذي يصنف باعتباره الممثل الشخصي والرسمي الاول للمرشد آية الله علي خامنئي، هي شكل من اشكال الواقعية السياسية التي بدأت القيادة في طهران تتلمس الحاجة اليها مع تصاعد الفتنة المذهبية في العالم الاسلامي، وتصاعد الازمة حول برنامجها النووي، وهي نوع من الارتقاء في مستوى العلاقات مع السعودية التي سبق ان زارها الكثيرون من كبار المسؤولين الايرانيين في الآونة الاخيرة، لا سيما رئيس مجلس الامن القومي علي لاريجاني، في رحلات استكشافية اكثر من كونها مهمات تأسيسية لحقبة جديدة بين البلدين.

لن يكون لقاء بين قطبي العالم الاسلامي، لان نجاد نفسه لا يختزل ايران ولا يختصر الشيعة.. لكنه يمكن ان يفتح الافق واسعا امام اعادة صياغة الخطاب الايراني، وإعادة انتاج الدور السعودي، ورسم الحدود الواضحة بينهما..