د. رضوان السيد
رفعت الأُطروحةُ الأميركيةُ التي أطلقها صمويل هنتينغتون عام 1993 بشأن quot;صراع الحضاراتquot;، المثقفين والكتّاب العرب والمسلمين باتجاه جدالٍ طويلٍ ذي صبغةٍ دفاعيةٍ عن الإسلام وحضارته. وفي الوقت الذي كانت فيه تلك الأطروحة تتحول إلى سياساتٍ، أقدمت الولايات المتحدة على السير فيها تجاه العالم بشكلٍ عامٍ، وتُجاه العرب والمسلمين بشكلٍ خاصّ، في الوقت الذي كنا ما نزال منهمكين في مجادلة الأميركيين والغربيين لتصحيح أفكارهم المغلوطة عن الإسلام والمسلمين. بيد أنّ المثقفين العرب كانوا في الحقيقة -وهم يتصدَّون لأفكار الآخرين عنهم- يتصدَّون في الوقتِ نفسِه للواقع العربي المنقسم بين السلطات والإسلاميين. أمّا اليساريون/ العلمانيون الذين كانوا ثوريين فقد تحولوا إلى إصلاحيين، يتجهون إلى السلطات يطالبونها بتجنيبهم كأس الإسلاميين المرّة من طريق إصلاح إدارة الشأن العامّ. وفي ذهنهم أنَّ quot;البديل الإسلاميquot; الذي يجري الحديثُ عنه هو أسوأُ ما يمكن أن يحدُثَ لهم ولبلدانهم.
وأمّا المثقفون الليبراليون المستقلُّون، غير ذوي الماضي اليساري أو العلماني، فقد اعتبروا أنّ الديمقراطية هي الحلُّ السحريُّ لكلّ المشاكل. وقد وقع في خلفية ذلك الفهم اعتبار الدين ثقافةً أو نهج حياة أو ذهنية، وبالتالي فهي لا تشكّلُ خَطَراً على إدارة الشأن العامّ، وإنما يأتي الخَطَرُ من الاستبداد، ومن الفساد، ومن إساءة إدارة حياة الناس، والتفكير في مستقبلهم؛ بحيث يندفعُ الناس باتجاه تغيير النظام بالقوة مستنصرين بالدين، فيحصل ما لا تُحمد عُقْباه.
والحقُّ أنَّ الطرفين العلماني/ اليساري، والليبرالي المستقل، وقعا في شباك هنتينغتون دون أن يشعرا. هو يقول إنّ لكل حضارةٍ أو ثقافةٍ ديناً تتمحورُ حوله، ويشكّل الذهنيات الجماعية لناسِها، ولأنه يصنعُ quot;رؤية العالمquot; لتلك الحضارة؛ فإنه يجعلُ من أولئك الناس عنيفين تُجاه الآخَر والعالم، أو مُسالمين إزاءه. وهذا فهمٌ للدين ما كان سائداً إلاّ لدى بعض المفكرين (مثل أوزوالد شبنجلر) الذين كانوا يتحدثون عن quot;روح الحضارةquot;، كأنما هي كائنٌ حيٌّ وعضويٌّ، وتُشبه في حركيتها حركيةَ الأفراد، وهي حركيةٌ ميكانيكيةٌ في كثيرٍ من وجوهها، تُنهي حريةَ الإنسان، وتجعلُهُ أسير وعيٍ محدَّدٍ بالدين وعنه، بغضّ النظر عن مستندات ذلك الوعي، وعلائقه الحقيقية بدين المرء أو اعتقاده.
لقد جَدَّد اهتمامي بهذا الموضوع كتاب فهمي جدعان المسمَّى: quot;في الخلاص النهائي، وعود الإسلاميين والعلمانيين والليبراليينquot;. وقد تبيَّنَ لي من تتبُّع فصول الكتاب أنّ المؤلّف يقصدُ بتلك الوعود ذات الطابع الخلاصي: الأيديولوجيات التي سيطرت على العلمانيين والإسلاميين معاً عن الدولة والمجتمع، أو عن الدولة الصالحة، والمجتمع المتقدم. فقد اعتاد العلمانيون منذ البداية على اعتبار مسألة الفصل بين الدين والدولة، أساساً للتقدم؛ بينما اعتبر الإسلاميون أنّ المشكلة تكمُنُ بالذات في هذا الفصل المطلوب أو المزعوم. وهكذا فالذي سيطر لدى فئات المثقفين quot;العقائديينquot; وعيٌ معينٌ مع الدين أو ضدَّه، وهذا الوعي علاقتُهُ بالدين رمزية، وبالحداثة أيديولوجيا واعتقاد.
ولكي ندلّل على خَطَلِ هذين التصورين، يمكن إيرادُ نموذج المجتمع الأميركي، والدولة الأميركية. فالدولةُ الأميركيةُ ليس فيها فصلٌ بين الدين والدولة على الطريقة الأوروبية وبخاصةٍ فرنسا. كما أنه ليس فيها مزجٌ بين الدين والدولة بحيث يسودُ أحدُهُما الآخَر، فيسيطر في الدولة دينٌ معيَّنٌ، أو تستثمر الدولة ديناً أو مذهباً معيناً لتدعيم سيطرتها على المجتمع من طريق الاستنصارُ بدين غالبية ذلك المجتمع. ويذهب المشترعون الأميركيون الأوائل أو آباء الدستور إلى أنهم أرادوا من وراء منع الكونجرس من الاشتراع في الشأن الديني حماية الدين من تدخل الدولة، وليس العكس.
ولست أُريدُ هنا الدخول في الجدالات حول مفهوم أو مفاهيم الثقافة والحضارة؛ لكنْ لنقُل على سبيل الفرضية إنّ الثقافة هي البنى الذهنية والفكرية؛ بينما الحضارةُ هي البُنى المادية. وبذلك فقد تظهر في الحضارة الواحدة عدةُ ثقافات، تختلف باختلاف الأزمنة والذهنيات؛ بينما تبدو الدولةُ باعتبارها لا علاقة قويةً لها بالمقولتين أو المفهومين: مفهوم الثقافة، ومفهوم الحضارة. أمّا الدين فهو بالإضافة إلى الفكرة العليا والشعائر، وعيٌ يشكّل عاملاً من عوامل الثقافة أو عناصرها، ويؤثر طبعاً في الحضارة باعتبار أنّ المثال الدينيَّ فعّال في المباني والمعابد التي يعتزُ بها المتدينون، ويمارسون شعائر دينهم فيها. وبهذا المعنى لا تكونُ للدولة علاقةٌ بالثقافة أو الدين إلاّ باعتبار الفلسفة التي يراها بعضُ الأيديولوجيين لها، ومن هؤلاء هيغل الذي يقدّسُها باعتبارها ذروة نضج العقل الإنساني.
ما معنى هذا النقاش كلّه؟ معناه أنه يكونُ من الخطل أن ننظر في الدولة فكرةً وعملاً من منظارٍ ثقافي أو حضاري. فهي مؤسسةٌ إداريةٌ لها وظيفة محدَّدة هي إدارة الشأن العامّ، والناس في الديمقراطيات يعملون من خلال الانتخابات على المجيء بنظامٍ سياسيٍ يُحسنُ إدارة ذاك الشأن. وهي في الأزمنة الحديثة -بخلاف ما كان عليه الأمر في العصور الوسطى- تحصُرُ عملَها فعلاً في فرض الاستقرار، ورعاية مصالح الناس المادية في شتى المجالات، وتطبيق القوانين المرعية الإجراء. أما المواطنون الذين يحيون على أرضها فليس بالضرورة أن تربطهم ثقافةٌ واحدةٌ أو رموزٌ حضاريةٌ واحدة؛ بل قد تربطهم قوميةٌ ذات أبعادٍ إثنيةٍ حقيقية أو موهومة، وتربطهم رقعة أرض، وتربطهم أخيراً مصالحهم المتبادلة.
وإذا أراد فريقٌ من الناس فرضَ دينٍ معين أو أيديولوجيا معيَّنة؛ فلأنّ وعياً معيناً هو المسيطرُ، وهو الذي يوحي بأنّ هذا الدين أو تلك الأيديولوجيا، كفيلان بإصلاح إدارة الشأن العامّ. أما الحضارة أو الثقافة فتؤثران في هذا التصرف السياسي أو ذاك من طريق الناس أو النخبة الحاكمة؛ لكنْ لا علاقة لهما بالدولة ووظائفها حتى لو كان الجميع من ذوي الدين الواحد أو الثقافة الواحدة أو بالعكس: حتى لو كانوا من ثقافاتٍ متعددة وحضاراتٍ مختلفة. وهكذا لا يصحُّ الحديثُ عن الدين باعتباره ثقافة، ولا عن الحضارة باعتبارها تتمحور حول دين؛ وإن كان كلٌّ من هذه الأمور الثلاثة مؤثراً في الآخر؛ وطبعاً من خلال المؤمنين والمواطنين والعاملين في الإدارة والقرار. وقد يكونُ بين دوافع الخلط بين هذه الأمور الثلاثة: الدين والثقافة والحضارة؛ بحث الناس في الأزمات عن quot;هوية مشتركةquot; أو شخصية واحدة، وفي الهوية يختلط التاريخ بالجغرافيا بالدين بالإثنية وبالثقافة. بيد أنّ هذا الإحساس بالتوحد الديني أو الإثني أو الثقافي؛ إنما ينتهي بنهاية الأزمة التي أنتجتْهُ. لأنّ للأمور الثلاثة التي ذكرناها وجودات مختلفة، ووظائف مختلفة. وإذا كان التأزم السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي بين أسباب هذا المزج؛ فمن أسبابه أيضاً تخلُّفُ الدولة أو الثقافة أو الدين عن القيام بالوظائف المنوطة أو المنتظرة لأي سببٍ كان. إذ عندها تتجه الأخلادُ والإرادات ( بالوعي) للاستنصار بالبارز والسائد تعويضاً لتعطُّل وظائف أحد الأركان الثلاثة. وفي كل الأحوال؛ يحدثُ نتيجة ذلك الخللُ المتمثل في ظهور الراديكاليات في الدين أو الثقافة (القومية) أو العمل السياسي.
يتعلق الدينُ إذن برؤية الخلاص، وهو في الأساس فرديٌّ وليس جماعياً، أي أنه لا يستلزم في الأساس وجود دولة أو الاستنصار بها. وتتعلق الثقافة بالمعنويات والذهنيات والرموز. وتتعلق الحضارة بالبُنى المادية والمؤسسات والعُمران في التاريخ. ولاشكَّ أنّ الخلط بينها هو الذي يثير الالتباس والتبايُن والمُشكلات.












التعليقات