روبرت فيسك - الاندبندنت
لماذا نحاول تقسيم شعوب الشرق الأوسط؟ لماذا نحاول تقطيعهم وجعلهم مختلفين وتذكيرهم بانقساماتهم وشكوكهم وقدرتهم على كراهية بعضهم البعض؟، هل هذا شكل من أشكال عنصريتنا غير الرسمية؟ أم إن هناك شيئا أكثر سوادا في أرواحنا الغربية؟. ألقوا نظرة على الخرائط، هل أنا الشخص الوحيد الذي يشمئز من ميولنا الصحفية لنشر خرائط طائفية للشرق الأوسط؟ أنتم تعرفون ما أعنيه، جميعنا الآن نعرف خريطة العراق التي ترمز فيها الألوان إلى تقسيمات محددة، الشيعة في الأسفل، والسنة في quot;المثلثquot; في الوسط - في الواقع هو يشبه شكلا ثماني الزوايا أكثر - والأكراد في الشمال.
أو انظروا إلى خارطة لبنان، حيث أعيش، الشيعة في الأسفل، والدروز شمالا، والسنة في صيدا والساحل الجنوبي لبيروت، الشيعة في الضواحي الجنوبية للعاصمة، والسنة والمسيحيون في قلب المدينة، والمسيحيون المارونيون إلى شمال العاصمة، السنة، في طرابلس، ومجموعة أخرى من الشيعة إلى الشرق. كم نحب هذه الخرائط، فهي تجعل الكراهية أمرا سهلا.
بالطبع، ليس الأمر في تلك البساطة أنا أعيش في منطقة درزية صغيرة في غرب بيروت، لكن بائع الخضار المحلي وسائقي هما من السنة، أعتقد أنهما يجب ألا يكونا في المنطقة الخاطئة حسب خرائطنا، إذاً هل أقول لسائقي عابد إن خريطتنا تظن أنه لم يعد بإمكانه أن يضع سيارته أمام منزلي؟ أم هل أقول للناشر المسلم للنسخة العربية من كتابي quot;حرب الحضارات الكبرىquot; إنه لم يعد بإمكانه أن يلتقي بي في مكان لقائنا المفضل، مطعم بول في بيروت الشرقية، لتناول الغداء لأن خريطتنا تظن هذه المنطقة على أنها منطقة مارونية مسيحية في بيروت؟.
في طريق الجديدة (منطقة سنية) انتقل بعض الشيعة، إلى خارج منازلهم، مؤقتا، في إجازة مؤقتة، وتركوا مفاتيحهم مع الجيران الأمر دائما يجري بهذا الشكل - وهذا يعني أن خرائط بيروت التي لدينا أكثر نظافة وأسهل للفهم، الشيء نفسه يحدث بصورة كبيرة في بغداد، الآن بإمكان رموزنا الملونة أن تكون أكثر تحديدا، لم نعد نستخدم تلك الكلمة المربكة quot;مناطق مختلطةquot;.
فعلنا الشيء نفسه في البلقان، كان وادي درنيا في البوسنة مأهولا بالمسلمين حتى مارس الصرب التطهير العرقي ضدهم، وماذا عن سريبريرنسكا؟ ألغوا كلمة quot;منطقة آمنةquot; وضعوا إشارة quot;صربيةquot; عليها، وكارجينا منطقة صربية إلى أن استولى عليها الكروات، هل سميناهم quot;كرواتquot; أم كاثوليك على خرائطنا؟ أم الاثنين معا؟.
ذنبنا في هذه اللعبة الطائفية واضح، نحن نريد أن نقسم quot;الآخرquot;، عدونا المحتمل، ونبعدهم عن بعضهم البعض، فيما نحن - الغربيين المتحضرين بقيمنا العالية والمتحدة ومتعددة الثقافات - لا يمكن أن يمسنا أحد، بإمكاني أن أرسم خريطة طائفية لمدينة بيرمنجهام البريطانية مثلا، وأضع إشارات quot;مسلمquot; وquot;غير مسلمquot; لكن لن تنشرها صحيفة بريطانية واحدة، بإمكاني أن أرسم خارطة عرقية دقيقة للغاية لواشنطن، بما في ذلك شوارع جبهات بين الجاليات quot;السوداءquot; وquot;البيضاءquot;، لكن صحيفة واشنطن بوست مثلا لن تنشرها مطلقاً.
تخيلوا المتعة الملونة التي يمكن أن تقدمها صحيفة نيويورك تايمز وهي ترسم خرائط بروكلين وهارلم ووايست ريفر، سود، بيض، بني، إيطالي، كاثوليك، يهود، أو المتعة التي يمكن أن تقدمها صحف تورونتو جلوب وميل في كندا في تقسيم مونتريال إلى جزء فرنسي وغير فرنسي، أو في تقسيم تورونتو حيث يمكن تخصيص أجزاء للأوكرانيين واليونانيين والمسلمين. لكننا لا نرسم هذه الخرائط الهتلرية لمجتمعاتنا، سيكون ذلك أمرا لا يمكن التسامح معه، وذا ذوق سيئ، شيء لا نفعله quot;نحنquot; في حضارتنا الغالية.
لدى مروري أمام كشك لبيع الكتب في نيويورك هذا الأسبوع رأيت عددا من مجلة تايم وعلى غلافها - وهذا كان يمكن أن يكون حقيقة غلافا لمجلة نازية من الثلاثينيات - رجلان أحدهما يرتدي قلنسوة سوداء والآخر يرتدي عمامة ملونة، أما العنوان فكان (سنة مقابل الشيعة: لماذا يكرهون بعضهم البعض)، هذا بالطبع كان تعليقا على الحرب الأهلية في العراق، وهي حرب أهلية كان يتكلم عنها المتحدثون الأمريكيون في بغداد في أغسطس 2003، عندما لم يكن عراقي واحد يحلم في أسوأ كوابيسه أن يحدث الذي يحدث الآن.
وعلى الصفحة 30 من مجلة quot;تايمquot; الخبيثة، هناك عنوان quot;كيف تميز بين السنة والشيعة؟quot; هل هذا أمر نافع؟ وبعد ذلك هناك أعمدة من المعلومات المفيدة التي تميز بين السنة والشيعة، quot;الأسماء مثلاquot;، بعض الأسماء تحمل علامات طائفية، أبو بكر، عمر، عثمان.. رجال بهذه الأسماء هم بالتأكيد تقريبا من السنة، أما الذين يحملون أسماء عبدالحسين، وعبدالزهراء، هم على الأغلب من الشيعةquot;، ثم تأتي أعمدة تحت عنوان quot;الصلاةquot;، quot;المساجدquot;، quot;المنازلquot;، quot;اللهجةquot;، وحتى quot;السياراتquot;، وآخر هذه الأنواع - السيارات - يقول لنا أي ملصقات نبحث عنها (إذا كان هناك عبارة عن الإمام علي فإن السائق شيعي)، أو أي لوحة سيارة (السيارات المسجلة في الأنبار مثلا) تعني أن السائق من السنة.
شكرا مرة أخرى، لا أدري لماذا لا يشتري الجيش الأمريكي عدد هذا الأسبوع من مجلة تايم ويلقي بالكمية كلها فوق بغداد لمساعدة من لا يزال يجهل من القتلة المحليين تحديد أهدافهم بسهولة، ولكن هل ستساعدنا مجلة تايم في معرفة المجتمع المنقسم بحدة في أمريكا؟.
أنا أيضا مذنب لممارستي هذه الألعاب الطائفية الصغيرة في الشرق الأوسط، أسأل أي لبناني أو لبنانية من أي منطقة هو، ليس لأتذكر الجبال والأنهار التي قرب منازلهم، ولكن لكي أضعهم حسب رموزهم الطائفية على خارطتي، لكنني أخفق بسهولة. الرجل الذي يقول لي إنه من الجنوب اللبناني (شيعة) يتضح أنه يعيش في القرية الدرزية الجنوبية (حاصبيا). المرأة التي تقول لي إنها من الجبيل (مسيحية) يتضح أنها من الأقلية الشيعية في البلدة.
وهكذا نستمر في تقسيم أراضي الشرق الأوسط، ونطبع المزيد والمزيد من خرائطنا العنصرية ونتساءل بجدية إذا كنا نرغب في التشجيع على حرب طائفية في هذا الجزء من العالم.
هل تعرفون ماذا؟ إنني أميل للاعتقاد أننا نشجع على ذلك.
- آخر تحديث :










التعليقات