سعد محيو

في كتابها الاول ldquo;موت وحياة المدن الأمريكية الكبرىrdquo;، لعبت جين جاكوبس دور الراجمة بالغيب حول مضاعفات الحياة المدينية الأمريكية. بيد ان تنبؤاتها، مع ذلك، شكلت صدمة لسكان المدن ودفعتهم الى التفكير العميق.

بيد انها في كتابها الجديد ldquo;العصور المظلمة الآتيةrdquo;* تقدمت خطوات أكثر الى الأمام في عملية التنبؤ هذه، حين حذرت من ان الثقافة الأمريكية الشمالية بدأت رحلتها التاريخية نحو الانحدار النهائي.

كتبت: ldquo;الهدف الرئيسي من هذا الكتاب هو مساعدة ثقافتنا على تجنب السقوط والوصول الى طريق مسدود، من خلال فهم أسباب الكارثة الراهنة، وبالتالي ما يجب فعله للحفاظ على نمط حياتنا وتطويرها.إننا في حاجة ماسة الى هذا الوعي الآن لأننا، كما سأبين في هذا الكتاب، نتجه سريعا الى عصور الظلامrdquo;.

وتحدد جاكوبس خمسة من أعمدة الثقافة الأمريكية بدأت تظهر فيها دلائل الفساد :1- المجتمع والعائلة 2- التعليم العالي 3- اجتياح الهوس التكنولوجي للقيم الاجتماعية 4- السياسة الضريبية اللا مسؤولة 5- فقدان التخطيط العلمي في مهن التعليم.

اما الدلائل الاخرى على التآكل والفساد، مثل العنصرية، والفجوة المتعاظمة بين الفقراء والاغنياء، والتدمير البيئي، وشكوك الناخبين، فهي تعتبرها مستقاة من هذه الاعمدة الخمسة.

وكما كان متوقعاً، تعرض كتاب جاكوبس الى نقد عنيف في الصحف والمجلات الأمريكية المتخصصة لسبب معروف ومتوقع : تشكيكها بنجاعة وفائدة النظام الرأسمالي نفسه. وهكذا اتهمها النقاد من داخل المؤسسة الرأسمالية بأنها وضعت هذه المرة كتاباً بلا منهجية، وأطلقت تنبؤات لا إثباتات علمية عليها. فهي لم تقنع القارئ كيف أن أمريكا الشمالية عرضة حقا للدخول في عصور الظلام، سواء الظلام من ذلك الحجم الكبير الذي حدث بعد انهيار الامبراطورية الرومانية، او من الحجم الصغير المتعلق بسيرورة الانحدار.

لكن هذا النقد في الواقع لم يفتّ من عضد الكتاب ولا من قوة الحجج الصادمة التي يوردها. فالكاتبة تورد تفاصيل مذهلة عن مخاطر التخطيط المديني واختلال التوازن الاقتصادي، وعن الانهيار التام للعائلة الصغيرة. وهي تشن حملة عنيفة على اقتصاد السيارة الخاصة ldquo;التي لعبت دورا رئيسياً في تدمير المجتمع الأمريكيrdquo;، كما تقول.

تطرح جاكوبس العديد من الاسئلة المثيرة حول طبيعة العصور المظلمة: لماذا تقع بعض الثقافات ضحية الهجمات من الخارج أو التعفن من الداخل؟ كيف يمكن لعقلية القلعة أن تؤدي الى العزلة والتأخر التكنولوجي؟ كيف يمكن لذكريات التقاليد والقيم واللغة ان تذوي؟ كما انها تناقش باستفاضة تطورات مقلقة جديدة مثل فساد الشركات، وضعف المستويات الاكاديمية، وسيادة منطق الصورة على منطق المضمون، ونقص فرص السكنى في نيويورك والمدن الاخرى.

كتاب جدير بالقراءة حقاً، ليس فقط للاطلاع على ما يجري في الدولة العظمى الوحيدة في العالم، بل أيضاً لمعرفة بعض أسباب ومكونات ldquo;عصور الظلامrdquo; التي نعيشها نحن العرب هذه الأيام!