راجح الخوري

يبدو الرئيس نبيه بري، وهو يرفع سقف التفاؤل حتى السماء تقريبا، كأنه يتعمد ضخ ما يكفي من دخان التعمية فوق المسرح، بحيث تختفي ملامح الاوركسترا السياسية المتخاصمة التي تعيد منذ اندلاع الازمة المستفحلة تقديم معزوفة quot;راوح مكانكquot;.
عمليا نحن في نقطة الصفر، لم نتقدم بوصة واحدة في اتجاه الاتفاق على حل، بينما تبدو البلاد كأنها تسرع الخطى نحو الانهيار. وهذا يستدعي القول صراحة ان العالمين بحقائق الامور لا يترددون في الهمس أننا نبحر في التشاؤم لا بل وصلنا الى أقصى التشاؤم!
يحتاج المرء في هذا البلد السعيد الى عقل بارد وقليل من الهدوء لرؤية الحقيقة الكامنة وراء هذا التناقض المذهل بين أمواج التفاؤل وفقش التشاؤم. هذه الحقيقة لا تقبل جدالا. فالوضع يراوح داخل حلقة مفرغة. وكل ما قيل ويقال عن الخطط والمبادرات والافكار يظل في حدود المساعي وحتى النيات المبذولة ولكن دون جدوى.
طبعا ليس في وسع أحد من الوسطاء وسعاة الخير ان يقف ويقول الحقيقة مجردة: الازمة تستفحل والانهيار يقترب والتمسك بالشروط التعجيزية مستمر.
ربما لأن الوضع بات على الحافة، فهو لا يحتمل مثل هذه الصراحة، وربما لأن شبكة التقاطعات العربية والاقليمية والدولية داخل عناصر الازمة، خلقت صورة سوريالية للمأساة التي تتقلب فيها، فصار كل اجتماع اقليمي او أميركي ndash; اقليمي يشكل محطة ترقب وتأثير في مجريات هذه المأساة.

❒ ❒ ❒

عمليا يستطيع مطلب quot;الثلث المعطّلquot; ان يتحول متراسا يسقط كل الحلول والمبادرات، ربما لان quot;المعركةquot; في بعدها الاستراتيجي تتجاوز كل تلاوينها السياسية المحلية. فالقتال ليس على الحكومة والتوازنات داخلها، بل على لبنان وموقعه في الصراع الاقليمي بين اميركا وايران المتحالفة مع سوريا.
وعلى هذا الاساس ليس المهم كيف تنتهي الازمة الحكومية التي تشل البلاد وتعطل طبعا مسيرة المحكمة ذات الطابع الدولي بما يرضي سوريا، بل المهم كيف تتطور المواجهة بين اميركا وايران في العراق وفي المسألة النووية، ومن ثم يأتي دور لبنان وأزمته!
لقد راوحت الامور طويلا عند هذه الحدود، وعندما جاء عمرو موسى حاملا مبادرته العربية التي أسست لها عمليا المساعي السعودية وقد بذلها السفير د. عبد العزيز خوجه منذ اعادة الحرارة الى العلاقات مع quot;حزب اللهquot;، انتهى الى اكتشاف ان نظرية quot;التزامن والتوازنquot; لن تمر قطعا فهو لم يتلق ردا من المعارضة على فكرة التزامن بين اقرار المحكمة الدولية وتعديل الحكومة، وبدا ان هناك فعلا من لا يقيم اعتبارا لمبدأ لا غالب ولا مغلوب.
منذ ذلك الحين دأبت المعارضة التي تتفوق على الأكثرية بأشواط في فن quot;البروباغنداquot; السياسية والاعلامية، في اطلاق سيل هائل من البالونات والتعميات ومشاريع الحلول المفبركة، ودائما بهدف القول ان المعارضين يريدون الحلول ويوافقون عليها ولكن الأكثرية ترفضها بايعاز من الاميركيين والفرنسيين، وكذلك بهدف السعي لبث الفرقة والانقسامات داخل صفوف تجمع 14 آذار عبر التلفيق ومحاولات quot;التزحيطquot;.
ولكثرة ما قدمته ماكينة quot;البروباغنداquot; المذكورة، باتت الامور مكشوفة تماما ولم تعد تنطلي على أحد، لكن المثير أن الاكثرية لم تتعلم درسا واحدا من دروس هذا الفن، فظلت دائما عرضة للقصف والاتهامات، من دون ان يكون هناك عمليا أي شك في أن المعارضة قاعدة في اعتصامين:
❒ أولا: الاعتصام في وسط بيروت الذي أورث البلاد مزيدا من الاختناق الاقتصادي والافلاسات.
❒ ثانيا: الاعتصام عند حدود quot;الثلث المعطلquot; الذي لا يمكن الاكثرية ان تعطيه لانها تكون كمن يسلم رأسها للمقصلة.

❒ ❒ ❒

آخر فصول القنص الذي يستهدف الاكثرية هو الذي يحاول الآن ان يوحي للناس ان القمة السعودية - الايرانية فتحت الابواب على التسوية وأن هناك أوراقا مكتوبة وأفكارا تروح وتجيء، وأن عنوان المرحلة الآن قبل انعقاد القمة هو: تفاءلوا بالخير.
ولكن الواقع يناقض هذه الايحاءات والتسريبات والتركيبات، بما يؤكد منذ الآن، ان الهدف من ايجاد هذا الانطباع هو تكرارا محاولة تحميل الاكثرية غدا، مسؤولية quot;إفشال الحلquot; وليس هناك من حل، ومواصلة السعي الى دق الأسافين بين قيادات 14 آذار.
والقمة السعودية ndash; الايرانية أنجزت أمرين مهمين جدا ومترابطين جدا هما: منع التصعيد ومنع التفتين أي الحيلولة دون قيام فتنة سنية ndash; شيعية بسبب التصعيد، على ما جرى يوم الخميس الاسود في 25 كانون الثاني الماضي، أما في ما يتصل بالحلول فان الامر هو تماما كما وصفه الرئيس فؤاد السنيورة:
quot;هناك مساع جدية للخلاص من المأزق ولكن ليست هناك مبادرات واضحةquot;.
إذاً لماذا نتفاءل وعلى أي أساس؟
تقضي الامانة بالعودة الى قمة الرياض حيث كان واضحا من خلال ما ذكرته وكالة الانباء السعودية أنه تم الاتفاق على ضرورة حل الوضع المتأزم في لبنان في اقرب وقت ممكن، وأن الجانبين يأملان بتجاوب الاطراف اللبنانيين مع الجهود المبذولة لايجاد هذا الحل.
ان الاشارة الى ضرورة quot;تجاوب الجانبينquot;، تضع الكرة في ملعب اللبنانيين المدعوين الى التفاهم على قاعدة لا غالب ولا مغلوب. ولكن هذا التفاهم يبدو بعيدا، وليس في وسع الوسطاء وخصوصا السعودية، ترك لبنان لأمره ومأساته.
والأزمة تتعمق وتستشري عند متراس quot;الثلث المعطلquot; وعند رفض المحكمة الدولية ايضا، وقد كان هذا الرفض صريحا وواضحا في خلفية الموقف السوري أول من أمس. ولبنان راكض الى أقصى التشاؤم، وليس في وسع الوسطاء ان يقولوا صراحة للبنانيين: تشاءموا، لأن التشاؤم هو quot;القادوميةquot; الى الانفجار!