سليمان جودة

قد ننساها في زحمة الأحداث، وقد لا ندرك حقيقة فضلها علينا، الآن.. وقد يمضي وقت طويل، قبل أن نتعرف علي حدود هذا الفضل.. ولكن المؤكد، أنه لولا وجودها، ما كانت مصر علي ما هي عليه الآن.

قد يحبها البعض منا، وقد يلعنها البعض الآخر، ولكن الجميع لا ينكرونها، ولا يستطيعون الهرب من الاعتراف بظلالها الممتدة، علي وجه الحياة كلها في البلد.. قد يكون التغيير، بعد أن عرفناها، إنما هو في الشكل فقط.. وقد يكون الجوهر كما هو.. وقد لا يختلف الأصل كثيراً في الوقت الحالي، عنه قبلها.

ولكنها وحدها، هي التي أقنعت الرئيس، وربما دفعته، إلي طلب تعديل ٣٤ مادة من مواد الدستور دفعة واحدة!!.. وهي وحدها، هي التي جعلت الرئيس يتقرب إلي الناس، ويخطب ودهم، ويتشوق إلي أصواتهم.. هي وحدها التي أرغمت الرئيس علي أن يتقدم في الصيف قبل الماضي، ببرنامج انتخابي له أول، وله آخر، ويعلن أنه سوف ينفذ بنود هذا البرنامج، خلال ست سنوات، هي فترة ولايته الخامسة.

بغيرها، لم يكن الرئيس يستطيع أن يخطو إلي ولايته الخامسة، بالشكل الذي جري، علي مرأي ومشهد من الدنيا.

لولاها، ما كان هذا الصخب الذي تسمع صوته، وتري ملامحه في كل ركن، وتشم رائحته في كل منتدي، وتصادفه في كل مكان.. لولاها ما كان هناك اليوم، من يجادل في صلاحيات رئيس الجمهورية، ويطالب، في إلحاح، بضم بعضها إلي رئيس الوزراء.. لولاها ما كان بيننا، في هذه الساعة، من يسعي إلي أن تكون جمهورية برلمانية، تقوم علي أن يكون رئيس الدولة، هو مجرد رمز، وأن يكون الأمر كله، بعد ذلك، في يد رئيس الوزراء ورئيس البرلمان.. لولا وجود كيانها بيننا،

ولولا الدم الذي يجري في عروقها، ما كان أحد قد تجرأ، علي أن يطالب في إصرار، بأن يكون بقاء الرئيس.. أي رئيس.. في قصر الرئاسة، له مدي، لا يتجاوز في حده الأقصي ١٢ عاماً.. وهناك من يقول إن ثمانية أعوام تكفي جداً!!.. لولاها ما كان سقف طموحات الإصلاح السياسي، قد ارتفع إلي هذا الأفق، الذي نتطلع إليه اليوم.

. لولاها ما كان تسعة مرشحين، من المدنيين، لا العسكريين، قد تطلعوا، لأول مرة، في تاريخ مصر، إلي أن يكونوا رؤساء، وأن ينافسوا الرئيس، رأساً برأس، حتي ولو كانت الخسارة لهم جميعاً، محتومة ومؤكدة، مسبقاً.. لولاها ما كان الكلام عن تداول للسلطة، يجري بالشكل الذي يجري عليه، في هذه اللحظة، وعلي هذه الصورة التي نراها.

لولا المادة ٧٦، سواء في تعديلها الأول، أو حتي تعديلها الثاني، ما كانت عفاريت كثيرة، قد انطلقت من مكامنها، في الحياة السياسية، علي طولها، وعرضها.

قارن بين وجه الحياة في مصر، قبل ٢٦ فبراير ٢٠٠٥، عندما طلب الرئيس تعديلها للمرة الأولي، وبين وجه الحياة الآن.. وسوف تعرف الفرق!!